آثر الأعمال الصالحة

السؤال: 
أبي عمر في الرياض يوجد أناس أنعم الله عليهم بنعمة المال فهم يملكون الثروات الطائلة وقد بلغو الستين والسبعين بل والثمانين أي في متكل المنايا ومع هذا وليس لهم أي دور في مساعدة المحتاجين أو بناء الساجد أو إنشاء الأوقاف ونحو ذلك من الأعمال المباركة التي تكون لهم ذخر لهم يوم القيامة وكل ما يقومون به هو دفع الزكاة أو إخراج الأعطيات القليلة فهل من كلمة لهؤلاء تبينون لهم آثر الأعمال الصالحة وأهمية الأوقاف وبناء المساجد ورعاية الأيتام لعل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بما تقولون جزاكم الله عنا خيرا؟
الإجابة: 
الأخ السائل طرح هذه القضية قال إنه يوجد أناس من عباد الله المؤمنين منحهم الله الأموال الطائلة وهم فيما بين الستين إلى السبعين بل منهم من تجاوز الثمانين ولا نرى لهم آثراً في مشاريع الخير من بناء المساجد والمستشفيات والمدارس وإسعاف المحتاجين كما لا نرى لهم أيضا نشاطا في تسهيل الأمة في أمور دنياها وإنما يخرجون الزكاة أو بعض الأعطيات ونريد توجيه لهم، نقول يا أخي أولا: إن المال نعمة من نعم الله على عباده يأتي الرب جل وعلا بعض عباده بالمال ويوسع في الرزق ويبتلي بعباده بالتقطير عليه قال جل وعلا: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) وقال: (فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ* كَلاَّ) أي ليس ما وسعنا عليه الرزق عنوان محبة ولا من ضيقنا عليه عنوان بغض، فإن ذلك ليس على ذلك إن محبة الله على العبد أو البغض له على قدر أعماله، فإن كان ذا أعمال صالحة أحبه الله وإن كان ذا أعمال سيئة أبغضه الله على قدر ما عنده من المخالفات والسيئات، والمال قد يكون نعمة وقد يكون فتنة وبلاء وعدو للإنسان قال جل وعلا: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) قد يكون المال فتنة للإنسان تفتنه عن الحق وتصده عن الحق وتكون سبباً لطغيانه وأشره وكبرياءه وتعاونه على عباد الله (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) فإن المال قد يمنع المطر والأشر والطغيان والفساد والاغترار بالنفس والاعتزاز بها، وقال جل وعلا: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قارون صاحب موسى من بني إسرائيل فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) ماذا أجاب: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) لأني أهل لذلك وأني صاحب قدرة على اكتساب المال: (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ) ثم قال جل وعلا مبين موقف الناس منه: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ* وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ) ثم أخبر عن مآله: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ* وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) ثم قال: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً)، فإن الأموال تطغي الإنسان حتى تثبته العلو في الأرض والتكبر عن الحق وصد الحق وعدم الانقياد له، والمال زينة في هذه الدنيا قال جل وعلا: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) وقال: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ثم قال: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) وقال راداً على من اغترا بماله (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ) فيا أخي المال فتنة والمال إما نعمة لك وإما فتنة لك، المال إما يقودك إلى الخير وإما يهوك في نار جهنم، المال أن لم تقم بشكر الله عليه لأداء الحقوق الواجبة ثم تكمل ذلك المستحبة وإلا ابتليت بخدمة المال وجمعه وينتفع به ممن بعدك، اعلم أن هذا المال زينة في هذه الدنيا فقط وإنك تفارقه ولابد ولن يتبعك من هذا المال إلا عمل صالح عملت به في هذا المال يقول صلى الله عليه وسلم: "يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاَثٌ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ الأَهْلَ وَالمَالَ وَيَبْقَى العَمَلَ"، ولكن إذا أديا زكاة الأموال وأحصن المسلم أمواله وأداء زكاتها من نقود أو زكاة عروض أو بهيمة الأنعام ونحو ذلك إذا أحصاها وأداءها أداءاً كاملا فإن أداءه للزكاة مبرأ لذمته من تبعات الأموال، فالمال الذي يزكى ليس كنزا والله يقول: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)، فإذا أُدي زكاة المال فإن الأمر سهل لكن يبقى على المسلم أنواع من البر من الأوقاف النافعة والصدقات الجارية يقول صلى الله عليه وسلم: "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، يا أخي هذا الأموال هذه الذي جمعتها لو تريد أن تتبرع وتصدق بأكثر من الثلث لمنعت من ذلك إذا فقدم لنفسك في هذه الدنيا ما عسى أن يكون زاداً لك يوم لقاء الله جل وعلا قال صلى الله عليه وسلم: "أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ". قَالُوا لا كلنا مَالنا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِنا. قَالَ ما أنفقته ومَالَ وَارِثِكَ ما خلفت"، فالمال الذي لك هو الذي أنفقته وقدمت به عمل صالح أما ما جمعته فإنه ينتقل للوارث وليس لك منه نصيب وقد يسعد فيه الوارث بالإحسان بالبر والعمل الصالح فيزداد خير وقد حرمت هذا الخير، فالوصية أولا الزكاة وإحصائها وعدها وإخراجها بكل صدق وأمانة، فإذا أوديت ;الزكاة ينبغي للمسلم أن لا يترك نفسه من صلة رحمه والإحسان إلى عباد الله من بناء المساجد والمستشفيات والمستوصفات والمشاريع الخيرية النافعة التي تنفعك في حياتك من مساعدة في قضايا المدينين وفك أسر المأسورين وتفريح كرب المكروبين وتنفيس عن المهمومين لعلى الله جل وعلا أن يجعل ذلك في ميزان أعمالك يوم قدومك على الله.