أثر إقامة الحدود الشرعية.

السؤال: 
بارك الله فيكم وأثابكم الله؛ لعلكم في مستهل هذا اللقاء تتحدثون عن أثر إقامة الحدود، والقصاص وأحكام القصاص في هذا الزمن؛ وأثر ذلك بالعيش الكريم وللمسلمين في كل وقت وفي كل حين؟
الإجابة: 
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلِّى اللهُ وَبَارِكَ عَلَى عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وأصَحْابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى التَابِعيْن لَهُم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ وبعد، حدود اللهَ وإقامتها رحمةً من الله بالعباد، فمن رحمته -جَلَّ وَعَلاَ- بعباده أن شرع القصاص، والحدود والتعزيرات الشريعية، ترَّدع المجرم وتوقفه عند حده، قال اللهُ -جَلَّ وَعَلاَ-: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، أي إذا أقمتم القصاص ونفذتموه لكم فيه حياة، تبقى النفوس وتسَّلم، أما إذا لم يخشِ القاتل من قصاص فإنه يُفسد في الأرض ويُخيّف الآمنين ويروَّع الآمنين، لكن إذا تذكرأنه بقتله سيقتص منه علنًا وسيتناقل الخبر وستكون جريمةً من جرائم ارتكبها، دائمًا كلمَّا ذُكر قيل الذي قُتل بسبب القصاص، فتكون نقطةٌ سوداء في تاريخ حياته، أو كذلك بعد موته من سوء الذكر وقلة ثناء الناس ومحبةً لما حصل له من القصاص. فالقصاص رحمة وإحسان؛ رحمة بالقاتل ورحمة بغيره، فإن القاتل إذا علم الحكم الشرعي، ربما يرَّدعه عن جريمته، وكفايةً هذا رحمة به أيضًا ورحمة بالمجتمع، أنه يعيش آمنًا مطمئنا، ; أما المضيعون لحدود الله والمعطلون لها فإنهم يعيشون الفوضى، فوضي لا نهاية لها، قال اللهُ -جَلَّ وَعَلاَ- عن بني اسرائيل في التوارة: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)، وقال اللهُ -جَلَّ وَعَلاَ-: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى)، إلى آخر الآية، فالقصاص شُرع رحمة من الله بنا، وإحسان من الله بنا، ولقد أقام النبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عدد من القصاص في حياته؛ رجلٌ من اليهود رضَّ رأس جارية من المسلمين بين حجرين؛ فأمر النَّبِيَّ أن يرضَّ رأسه بين حجرين كما رضُّ رأس الجارية، ولمَّا سرق العرنييون أبل النبيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وقتلوا الراعي وسملوا عينيه؛ جاء في أثرٍ أنه جئ بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، قطع يده اليمني ورجله اليسرى واليد اليسرى والرجل اليمنى، ثم سمل أعينهم بالنار كواها بالنار، ثم تركهم في الحرَّة الشديدة، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ يقلون: "النار النار" حتى ماتوا، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: "هَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ" (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). وشرع اللهُ قطع يد السارق، الذي سرق بيده وهدر أموال الناس بيده؛ فشرع قطع يده ليكون عبرةٍ لغيره؛ (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وشرع حد الزنا مائة جلدة لمن زنا وغير متزوج، والرجم لمن زنا بعد تزوجه، كل هذا حماية للمجتمع من الرذائل وقلة الحياء، وحفظ الأمن والاستقرار، فحدود اللهُ تقام في الأرض خيرٌ لهم من كل شيء، في الحديث: « لحد يقام بالأرض خير لها من أن تمطر أربعين صباحا»، فهذه الحدود الشرعية إذا أقيمت أمن الناس على دينهم، وعلى أموالهم وعلى أعراضهم، وعلموا أن الحدود الشرعية عظةٌ وعبرة، فإقامتها نعمة من الله، قال الحسن البصري -رحمه الله-: " نحب ولاة أمرنا لأن الله أمرهم بإقامة الحدود، ويردع بها الظالم عن المظلوم"، وهكذا ولاة أمر المسلمين متى ما نفذوا أحكام الله وأقامواها عاش الناس بخير ونعمة وعافية، ففي بلاد الله المباركة تنفذ حدود الله وأحكامه، هذا من توفيق الله لنا، لأن الحكومة قائمة على كتاب الله وعلى سُنَّة رَسُوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فواجبٌ إقامة الحدود والاستمرار عليها، لكي يعيش الناس في أمنٍ وطمأنينة، فلا خير في مجتمع لا بد من اجراء الحدود على الناس، ليأمنوا شره وضره.