أهوال يوم القيامة

أهوال يوم القيامة الخطبة الأولى ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، خلق الموت والحياة ابتلاءا وامتحانا ليتبين من هو المخلص لله متبع للحق من ليس كذلك (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، جعل الله هذا الدنيا دار فناء وعمل واجتهاد، وجعل الآخرة دار مقام وبقاء وجزاء، وبين جل وعلا أن هذه الدنيا متاع (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ)، وبين لنا حقرتها فقال صلى الله عليه وسلم: "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ"، وحذرنا صلى الله عليه وسلم من تعلق المسلم بها عن الدار الآخرة يقول صلى الله عليه وسلم لعمر: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"، وكان ابن عمر يقول: "إِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لَسَقَمِكَ , وَمَنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ". أيها المسلم، والموت ليس له زمن معين ولا سن معين ولا مرض معين؛ ولكن إذا تم الآجل حضر الموت قال جل وعلا: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)، وقال: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). أيها المسلم، فانظر في أعمالك واستعد للرحيل إلى الدار الآخرة فإن الموت ملاقي لكل أحد، سنة الله سنها في هذه الحياة قال جل وعلا: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، وقال: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). أيها المسلم، إن المدبر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يرى كثيرا من أهوال يوم القيامة وما سيكون بعد الموت من تلكم الأهوال العظيمة والمواقف الصعيبة الشديدة، فمن الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بكل ما أخبر به ربنا جل وعلا وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم عما سيكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، فتأمل أخي تلك الأهوال الشديدة تأملها بدقة وبتأمل فعسى أن تكون حادثة لك إلى التمسك بدينك والقيام بما اوجب الله عليك، تأمل أولا سكرات الموت وشدائده قال جل وعلا: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، تأمل تلك الحالة الصعيبة عندما تفارق الروح ; الجسد الذي طالما تعلقت به وعمرته تقول عائشة رضي الله عنهما ما كرهت شدة الموت لأحد بعد الذي رأيته من النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان عنده ركوة من ماء يضع فيها يديه يمسح بهما وجه ويقول: "الله أكبر، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ". أيها المسلم، وبعد مفارقة الدنيا تنقل من بيتك وقصرك إلى قبرك، ذلك القبر وهو البرزخ تبقى فيه إلى أن يأذن الله إلى قيام الخلق لرب العالمين، هذا القبر إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، يدعك في هذا اللحد أحب الناس إليك ينعون عليك التراب ويسندون لك اللبن، ويضعونك في هذا اللحد وحيدا إنما معك عملك الذي عملت إن كان عملا صالحاً تزداد به أنساً وسروراً، وإن كان عملاً سيئا تزاد به هملاً وغماً وبلاء، أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا وضع في قبره وفارق أهله إنه ليسمع قعر نعالهم، يأتيانه ملكان فيوقعانه فيقولان له: "مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ" يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم فيثبت الله المؤمن بالقول الثابت فَيَقُولُ: "هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أمنا به فصدقناه"، يسألانه عن ربه ودينه ونبيه فيقول: "الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبي"، فيرى مقعده من النار ومقعده من الجنة فيقال هذا مقعدك من النار قد أبدلك الله خيرًا من ذلك، فيفسح له في قبره مد بصره ويبقى مستأنسا ينتظر قيام الساعة لما يناله من الأجر والثواب العظيم عنده يوم رب العالمين، وأما المرتاب والمنافق فيقول إذا سئل عن ربه ونبيه ودينه: ها ها لاَ أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فيضرب من مرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق، وبعد هذا الموقف العظيم قيام الساعة، قيام القيامة الكبرى التي أخبر الله بها في كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم واجمع ذلك المسلمون: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)، ينفخ في الصور نفخة الفزع فيقوم العباد من قبورهم إلى رب العالمين: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ* قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)، يقوم الناس لرب العالمين قال جل وعلا: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، يقف الناس في هذا الموقف العظيم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفثهم البصر: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً* فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً* لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً* يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً)، نقوم من قبورنا في ذلك اليوم الذي هو خمسون ألف سنة يقف العباد في ذلك الموقف في صعيد واحد النار تحيد بهم، والشمس من فوق رؤوسهم دانية على قبل ميل يزاد فيها حرها، فيبلغ منهم العرق مبلغاً عظيم ومنهم من عرقه على عقبه، ومنهم من عرقه على ركبته، ومنهم من عرقه على حقوه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، في ذلك الموقف العظيم: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)، يضعهم من هول ذلك اليوم وفزعاته وشدائده ما الله به عليم، إذا طال عليهم الأمد وطال عليهم الوقوف وكربات ذلك اليوم لجئوا إلى أنبياء الله يسألونهم أن يشفعونا عند الله ليفصل الله بينهم فيأتون آدم فيعتذر ويذكر خطيئته ويقول: "إِنَّ رَبِّى غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ قَبْلَهُ قط، وَلَنْ يَغْضَبَ مِثْلَهُ بَعْدَهُ قط"، ثم يأتون نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى وكل يتخلى عن ذلك الأمر، ثم يأتون محمداً صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، فيسجد تحت العرش ويفتح الله عليه من الثناء على الله وتمجيده فيقال: "ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ" فيأتي الله فينصب بين العباد: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)، (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً* الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً). أيها المسلمون، يحاسب الله عباده في ذلك اليوم العظيم (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، حسابا عظيم يقم الحجج على العباد، وفي هذا اليوم تنصب موازين الأعمال توزن بها أعمال العباد قال جل وعلا: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)، وقال: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ). أيها المسلم، في هذا اليوم العظيم أهوال كبيرة تسأل عائشة النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: النساء والرجال يقفون في ذلك الموثق، قَالَ: "يا عائشة الأَمْرُ أَشَدُّ وأعظم مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ"، وتقول يا رسول الله: هل يعرف الناس بعضهم بعضا في ذلك اليوم؟ قال:"يَا عَائِشَةُ أَمَّا عِنْدَ ثَلاَثٍ فَلاَ،عِنْدَ وضع الْمِيزَانِ فلا يدري أيخف الميزان أم يثقل، وعِنْدَ تَطَايُرِ الْكُتُبِ فيأخذ كتابه بِيَمِينِهِ أَم بِشِمَالِهِ، وعند الصراط هل ينجو أم لا؟ فبهذه المواقف الثلاثة كل مشغول بنفسه، وكل خائف على نفسه". أيها المسلم، وهذا الميزان له خفتان ولسان توزن فيه أعمال العباد ينادي مناديا سعد فلان وفلان سعاة لا يشقى بعدها أبدا، أو شقي فلان وفلان شقاوةً لا يسعد بها أبدا، وتنشر الدواوين ويفتح صحائف أعملنا التي عملنها في هذه الدنيا، فإن أعمالنا محصرةً علينا: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ* كِرَاماً كَاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)، هذه الكتب فيها أعمالنا كلها قال جل وعلا: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً* اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)، قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ)، كتاب مكتوب فيه هذا كتاب من رب العالمين ادخلوا فلان ابن فلان (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ)، يحاسب الله العباد قال صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، يَنْظُرُ عن يمينه فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ عن شماله فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أمامه فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"، يحصل الله بعبده المؤمن فيقرب بسيئاته ثم يسترها عليه ويغفر له. أيها المسلم، إنه حساب عظيم، حاسب نفسك في هذه الدنيا قبل ذلك الحساب فإنه حساب عظيم يقيم الله الحجة على عباده فإذا أراد العبد أن يفر أنطق الله الجوارح قال جل وعلا: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وقال جل وعلا: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). فيا أيها المسلم، حاسب نفسك في هذه الدنيا ولزم عن الصالحة واعلم أن يوم القيامة تنطق جوارحك عليك في كل ما عملت: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ). أيها المسلم، وفي هذا الموقف العظيم حوض نبينا صلى الله عليه وسلم يرونه إن شاء الله المسلمون، حوض طوله شهر، وعرض شهر، آنيته نازلة من السماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، يحال بين قوم وبينه فيقال للنبي: "ماذا أحدث بعدك؟"، وبعد هذه الأهوال ينصب الصراط على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار فيمر العباد عليه وتقسم بينهم النور فيعطى كلا منهم على قدر عمله، فمنهم من نوره مثل الجبل وأزود من ذلك، ومنهم من نوره على قدر إبهامه يضيء مره ويطفئ مره، فنعبر هذا الصراط على قدر أعمالنا، ويخشى المؤمنون إذا رأوا أنوار المنافق قد طفأت: (يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وهذا الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف وأحر من الجمر، وعليك كلاليب معلقة مأموره تأخذ إلى أخره، فناج مسلم ومكور في النار فدعوة الرُسُل يومئذ: "اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ"، فإذا عبر المسلم الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض في مظالم كانت بينهم، ثم يؤذن للمؤمن دخول الجنة، وأول من يدخلها محمد صلى الله عليه وسلم يقول لها خازنها: أمرت أن لا أدخل أحداً قبلك، فيدخلها محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء ثم الأمم وأول أمة تدخل الجنة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهم في الجنة أعرف بمنازل الجنة من منازلهم في الدنيا وتتلقهم ملائكة الرحمة قال جل وعلا: (يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)، إنها أهوال عظيمة حساب، وميزان، وصحف أعمال، وعبور على الصراط، فلنستعد لهذا اليوم ولنعد العدة لهذا اليوم ولنسأل الله أن يثبتنا على دينه وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا. أيها المسلم، إن تذكر الآخرة وأهوالها ومواقفها العظيمة تدعو العبد إلى تقوى الله جل وعلا وعدم الانقياد بالمعاصي والملذات، ومحاسبة النفس عن القيل والكثير فإن هناك حساباً عظيما دقيقا يشرف عليه العبد يوم القيامة حتى يرى أعماله أن النار حوله به من الجنة لما يرى من عدل الله وإقامة الحجة على عباده. فاتقوا الله في أنفسكم، وحاسبوا أنفسكم في هذه الدنيا قبل لقاء الله، ارجوا من الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم للعمل الصالح إنه على كل شيء قدير، وأن يخف علينا حسابنا وأن يهون علينا إنه على كل شيء قدير، أقولٌ قولي هذا، واستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ;أما بعدُ: فيا أيُّها النَّاس، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، تذكروا مآلكم ومصيركم وأهوال يوم القيامة، تذكروا القبر وظلمته، تذكروا الحساب وشدته، تذكروا الملك وعظيم شأنه، تأملوا بتلك الصحف التي يوم القيامة إما أخذ كتابه بيمينه أو بشماله، تذكروا موازين الأعمال، تذكروا الوقف بين يدي الله جل وعلا، إنها مواقف عظيمة إذا دبرنها وعقلنها، وتأملنها دعنا ذلك بتوفيق الله إلى الاستعداد للأعمال الصالحة، فلن ينجينا من ذلك الهون إلا عملنا الصالح قال جل وعلا: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، إن المسلم الذي يرجو جنة الله ورحمته وفضله وإحسانه يعمل في هذه الدنيا الأعمال الصالحة ويحاسب نفسه ويفكر في مآله ويعلم أن هذا الموعد يوم عظيم لن ينجيه إلا عمله الصالح، لن ينجيه سواء ذلك: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ* فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)، إن تأمل هذه المواقف وتذكرها دائما على البال مما يعين العبد على الطاعة ويهون عليه الطاعة ويوعينه على ترك المخالفة ويستعد للقاء الله، ويعلم أنه محاسب عن أقواله وأفعاله وأن كل هذه الأعمال سيقف عنها يوم القيامة: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)، فالله لا يظلم العباد: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، فبموقف القيامة تقام الحجة على العبد لا ينفع الإنكار: (كِرَاماً كَاتِبِينَ) يسجلون أعمالك كلها جوارحك سمعك بصرك لسانك يديك رجله جلدك الكل يشهد عليك بأعمالك، فاتقي الله في نفسك، وحافظ على طاعة ربك، وتقرب بما يرضيه وسأل الثبات على الإسلام، وان تنجو من أهوان ذلك اليوم العظيم، أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالاستقامة والثبات على الحق إنه على كل شيء قدير، ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; عباد الله، إن مما يدعم دعائم الأمن ويثبت دعائم الأمن إقامة حدود الله، فإقامة الحدود قتل القاتل، قطع يد السارق، قتل المفسدين مما يثبت دعائم الأمن ويقويه قال جل وعلا: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، حدود الله خير أمان للأمة يدعم دعائم الأمن ويثبت الأمن ويقطع دابر المفسدين، ويقضي على المجرمين، النفوس أمارة بالسوء من يأتي إلى الفجور الطغيان فحدود الله تردع المجرم ويقف عند حده، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفد من العرب فلما قدموا المدينة واستوفوا لم يطيب لهم جوها فأمرهم النبي أن يذهبوا إلى الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا وشربوا قتلوا الراعي وسمروا عينيه واستاقوا إبل الصدقة فجاء خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأوتي بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم بالنار وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا والنبي يقول: "النَّار، النَّار"، هو أرحم الخلق بالخلق؛ لكن الرحمة في حدودها وإقامة الحدود والقضاء على المجرمين من الرحمة بالأمة والإحسان إليهم أن تقيم حدود الله وأن يردع المجرم ويؤخذ على يده، فإن كثيرا من الناس لا يردعهم إيمان إنما تردعهم حدود الله ولهذا جاء في الحديث: "حَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً"، فحدود الله جل وعلا إذا أقيمت أمنة الأمة ورد المفسد وعلم كل مفسد أن مآله إلى هذا الحدود، مروج المخدرات الذين يعيشون في الأرض فسادا، قطاع الطرق، السراق الخائنون، والمفسدون لا تردع لهم إلا هذه العقوبة تردعهم وأمثالهم من المجتمع قال الله جل وعلا: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالقصاص إذا أقيم أمن الناس كل ما ذكر المجرم أنه إذا قتل سيقتل سيردعه ذلك عن جريمته فتحيى النفوس قال جل وعلا: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)، إن حدود الله أمان الأمة وسبيل أمنها واستقرارها وتفرغها لمصالح دينها ودنياها فلا رادع المجرمين والمفسدين إلا حدود الله والتعزيرات الشرعية التي توقف كل مفسد وكل عند حده، وفق الله قادتنا وأعانهم على كل خير إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد كما أمر ذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا وأصلح ولاة أمرنا، وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِالعزيزِ لكل خير، اللَّهمَّ سدده في أقواله وأعماله، اللَّهمَّ أره الحق حقا ورزقه أتباعه، وأره الباطل باطلا وجنبه اجتنابه، اللَّهمَّ بارك له في عمره وعمله وألبسه ثوب الصحة والسلامة والعافية، اللَّهمَّ شد عضده بولي عهده سلمان بن عبدالعزيز وسدده في أقواله وأعماله، ووفقهم جميعا لما تحبه وترضى إنك على كل شيء قدير، اللَّهمَّ أنصر بهم دينك وأعلن بهم كلمتك، وأقم بهم حدودك وردع بهم المجرمين والمفسدين إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللّهمَّ سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم لا غرق، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.