الأخوة الإسلامية رابطة متينة

الخطبة الأولى ; ; ; ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، إن من الأصول التي قررها الإسلام وأكد عليها الأخوة الإسلامية فهي رابطة متين وحصن حصين بها يتعارف المسلمون ويناصرون ويتراحمون ويتوارثون ويتعاونون، أمر الله بها بعد أمره بتقواه فقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)، ويقول الله جل وعلا: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، ويقول: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) الآية، ويقول صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كمَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالْحُمَّى والسَّهَرِ"، وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ويقول صلى الله عليه وسلم مخاطبا المسلمين جميعا: "لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يكذبه ولا يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ". أيُّها المسلم، فالأخوة الإسلامية رابطة متينة، وحصن حصين للمسلم، ومن حقوق هذه الأخوة المسلمة: من حق المسلم عليك أن تصلح بين المسلمين عند التنازع والاختلاف، سواء كان النزاع بين زوجين أو بين أخوين أو بين صديقين، أو بين فئتين عظيمتين، فإن الإصلاح بين النَّاس يؤلف القلوب ويقطع دابر الفرقة والاختلاف، قال الله جلَّ وعلا: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)، وأخبر جلَّ وعلا أن خير التناجي تناجي بالإصلاح بين النَّاس: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)، ويقول صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة"، قالوا: بلى يا سول الله، قال: "الإصلاح بين النَّاس، فإن فساد ذات البين هي الحالقة تحلق الدين ولا أقول تحلق الشعر"، وقال: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فيَقُولُ خَيْرًا أوَ يَنْمِى خَيْرًا"، وقد أمر الله بالإصلاح بين الزوجين قال جلَّ وعلا: (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)، وأمر الإصلاح بين فئتين من المسلمين فقال: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ). ومن حقوق الأخوة الإسلامية: احترام حرمات النَّاس، وعدم التعدي عليهم بالازدراء والسخرية والتنقص، ولمزهم بالألقاب المشينة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)، فتأمل أخي قول الله: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ)، نهي عن السخرية بالآخرين فعسى أن يكون من سخرة منه خير منك، وعسى المرأة إن سخرة تكون خيرا منها، ونهى عن اللمز: وهو العيب بالأقوال والتنقص، ونهى أن نناديه بلقب يكره ولا يرتاح إليه: (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) وإن ذلك فسق بعد الإيمان وظلم يجب التوبة من هذا العمل السيئ. أيُّها المسلم، ومن حقوق الأخوة الإسلامية: تجنب سوء الظن والتجسس على المسلم، ومحاولة كشف عيوبه وأسراره، يقول الله جلَّ وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً)، فنهى عن التجسس، ونهى عن الاغتياب، وجعل مغتاب النَّاس كما لحوم الأموات (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ). ومن حقوق المسلمين التعاون بينهم على البر والتقوى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). ومن حقوق الأخوة الإسلامية: التناصح بين النَّاس، تنصح لله أخاك فيما قصر من واجب أو ما ارتكب من خطأ أو تأول من تأول خارج عن الطريق المستقيم، فالتناصح بين النَّاس وإقامة الحجة، والاتصال والتفاهم، والنصيحة الهادفة هي خلق المسلم، لأن قصد كل مسلم حب الخير لأخيه وكما الشر له. ومن ذلك المشورة، فتشير عليه إذا استشارك وستنصحك بما تعلم أنَّه الحق والخير والصواب، لا تغشه بالمشورة والنصيحة؛ ولكن تصدق في نصيحتك إياه، ومشاورته لك لأن هذا من لوازم الأخوة الإسلامية. ومن حقوق الأخوة الإسلامية أيضا: أن تحب لأخيك المسلم ما تحبه لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك، فكما لا ترضى لنفسك بالنقص فلا ترضه لأخيك، كما لا ترضى أن يقدح في عرضك فلا ترضى أن يقدح في عرض أخيك المسلم، تحب له ما تحب لنفسك، تنصحه وتوجهه، تتصل به وتحذره، وتأمره وتنهاه ليجد منك قلبًا رحيما وأبقاً واسعا يستفيد من توجيهك، ويقبل نصحك وتوجيهك، هكذا يجب أن يتعامل المسلمون فيما بينهم، في الأخطاء الواقعة بينهم قوليةً أو فعلية، فالتناصح والتعاون والتفاهم، والسعي في جمع الكلمة، وتوحيد الصف هذا خلق المؤمنين الذي يجب أن يسيروا عليه. ومن حقوق المسلم عليك: أن لا تكون غاشاً له في تعاملك معه؛ بل تكون صادقا، فإن الغش ضعف في الإيمان، نقص في الإيمان يقول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا"، فكأنما السلاح يهدد أمن الأمَّة ويسفك الدماء، فكذلك الغش يهدد اقتصادهم، ويوقعهم في المشاكل، وحرمة الدماء والأموال في الإسلام قرينان، يقول صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم عرفة: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ"، فإياك أن تغشه فإنك غشك إياه دليل على ضعف الإيمان في الحديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا". ومن حق المسلم عليك: أن لا تزاحمه في حقوق سبقك إليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لنا: "لاَ يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ"، فإذا خطب أخوك امرأة وعلمت أنه خطبها فلا تتقدم لها خوفا أن يرد وتقبل إلا أن رفضوا ذلك أو توقفوا لأن خطبتك على خطبته سبب للفرقة والاختلاف، واختلاف القلوب وتفرق الكلمة، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم نهانا أن نبيع على إخواننا فإذا باع أخوك بسلعة على شخص فإياك أن تعرض سعرا أكثر من ذلك لتفسخ البيع السابق، أو تعرض على المشتري بأنقص لكي يشتري منك وكل هذا يحزن أخوك المسلم ويسيء إليه، ومن التناجش: وهو أن تزيد بثمن السلعة وأنت لا تريدها لكن تنفع البائع وتضر المشتري، وكلها أمور نهى الشرع عنها. ومن حقوق الأخوة الإسلامية: المحبة والتزاور وإفشاء السلام، في الحديث: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً"، وفي حديث عبدالله بن عمرو لما سئل صلى الله عليه وسلم أَىُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ قَالَ: "أن تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ". ومن حقوق الأخوة الإسلامية: ستر عورات المسلمين، وقضاء حوائجهم، وتنفيس كرباتهم، وتيسير إعسارهم، يقول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دام الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ". ومن حق المسلم على المسلم: الدعاء له، فالمسلم يدعو لإخوانه السابقين واللاحقين، يقول الله عن أتباع الأنصار والمهاجرين: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، هذه بعض حقوق المسلم على المسلم. ومن الحقوق الستة المعروفة وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِن دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِن مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِن مَاتَ فَاتَّبِعْ جنازته". أيُّها المسلمون، هذه الحقوق الإسلامية المطلوبة منا أن نبذل الجهد في تحقيق ما نستطيع تحقيقه من ذلك، لتكون الإخوة الإسلامية إخوة صادقة منطلق من قلب مليء بالإيمان والرحمة والشفقة على المسلمين؛ ولكن قد تعرض لهذه الفضائل أمور تضادها: فمما ينقض هذه الأخوة: الطمع فيما بيد الغير، حقيقة الطمع السعي في أخذ مال الغير بغير حق، فذك بلاء عظيم يقول صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارم الله"، والله يقول: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، فالشح ينافي الأخوة الإسلامية لأنه ظلم وعدوان، وأخذ مال بغير حق. ومما ينافيه أيضا: سوء الأدب في الأقوال: فإن الأقوال السيئة تفسد القلوب وتباعد بينها، والله يقول: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً)، ويقول جل وعلا: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)، فالأقوال البذيئة الساقطة السخيفة لا خير فيها، توقد نار الفتنة، وتباعد القلوب، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس المؤمن بالسباب ولا باللعان ولا بالفاحش ولا البذيء"، ومن ذلك المزاح الشديد الخارج عن المعقول فإنَّه ربما حمل في طياته شرورًا كثيرة قد تغاب عن الإنسان وقت المزاح فيندم ولا ينفع الندم. ومما ينقض الأخوة الإسلامية المراء والجدال الذي لا خير فيه، ولا يحقق غرضا، وإلا فالجدال فهو حق مطلوب: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). ومما ينافي ذلك العتاب في كل قليل وكثير فمن كثر عتابه قل جلسائه، فالعتاب الذي لا فائدة فيه يبعد القلوب، والمؤمن مطلوب في السعي فيما يوحد الكلمة، ومن الإصغاء للنمامين والوشاح ودعاة التفريق الذين يفرقون بين الأحبة، ويوقعون العداوة بين أفراد المجتمع على اختلافهم، يقول الله جلَّ وعلا: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ)، وفي الحديث: "خير عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشِر عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ"، كل هذا يخالف كيان الإسلام اجتماع وأخوة إسلامية. ومما يدرك الإخوة: إفشاء السر الذي بينك وبين إخوانك، ففي الحديث: "إذا حدث الرجل حديثا فالتفت فإنه أمانة". ومن ذلك أيضا: التدخل في خصوصيات النَّاس فيما لا حاجتك فيه في أمر دينك ودنياك، فإن التدخل في حياة النَّاس والذي هو من شؤونهم الخاصة لا مصلحة لك فيه؛ بل قد يزيد القلوب تباعدا وفي الحديث: "مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ"، أسأل الله أن يوفقني وإياكم لصالح القول والعمل، أقولٌ قولي هذا، واستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ;أما بعدُ: فيا أيُّها النَّاس، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، عباد الله، إن آداب الأخوة الإسلامية لها آثار عظيمة في حياة المسلمين: فأولا: عند الالتزام بها تقوى وحدة المسلمين وتآلف قلوبهم، واجتماع كلمتهم، وتعاون على الحق والهدى. ومن آثار تلك الفضائل: إذا طبقت على الوجه الأكمل ما يحصل للمسلمين من تعاون فيما بينهم في مصالح دينهم ودنياهم، وكذلك التناصح بينهم. ومنها ما ينالونه من مغفرة الله وجنته: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ* يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ* ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ). ومن النجاة الشدائد يوم القيامة في الحديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: "رجلان تحابا في الله ، اجتمعا على ذلك وافترقا عليه"، فنسأل الله أن يرزقنا جميعا البر والتقوى. إن الأخوة الإسلامية لا تتم إلا بالآداب الشرعية بلتزمها، والمحافظة عليها وتطبيقها وسعي كل منا أن يطبقها على نفسه ويسعى في ذلك وينصح إخوانه المسلمين، فالأمة المسلمة كالجسد الواحد يجب أن يكون التعاون سائداً بيننا، والتناصح والتفاهم والبعد عن التجريح والإشانة والقدح الذي لا خير فيه، إن اشتغال الناس بالرد بعضهم على بعض وتسفيه رأي بعضهم على بعض يحدث بعداً في القلوب وتنافرا، فلو كان الاجتماع والتآلف والاتصال بأهل الخطأ، والتفهم مع أي مخطئ على بساط المحبة والمودة والسعي فيما يقرب القلوب ويجمع الكلمة ويوحد الصف لكن ذلك خيرا، نسأل الله الثبات على الحق والاستقامة عليه إنَّه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد كما أمركم بذلك بربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، الأئمة المهديين أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا وأصلح ولاة أمرنا وأصلح ولاة أمور المسلمين جميعا، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا وأصلح ولاة أمرنا وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِالعزيزِ لكل خير، سدده في أقواله وأعماله، وأمنحه الصحة والسلامة والعافية وأعنه على كل خير إنك على كل شيء قدير، اللَّهمَّ شد عضده بولي عهده سلمان بن عبدالعزيز، سدده في أقواله وأعماله، وأعنه على مسئوليته إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.خطبة الجمعة ; 14-07-1434هـ