الأمانة فضائلها ومجالاتها

الأمانة فضائلها ومجالاتها الخطبة الأولى ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، يقول الله جل جلاله: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً). أخي المسلم، عرض الله الأمانة التي هي طاعته وفرائضه وحدوده على أعظم مخلوقاته (السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا) لا عصيان لربها؛ ولكن إشفاقاً من العجز عن القيام بها (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)، الأمانة مسئولية عظيمة وحمل ثقيل إلا من أمنه الله على ذلك، وحقيقتها: أداء حق الله بعبادته وإخلاص الدين له والقيام بحقوق الخلق من غير تقصير ولها أمر عظيم ولها شأن في حياة المسلم كبير لاشتمالها على جوانب ما ينفع الفرد والمجتمع من إخلاص لله على موافقة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أيها المسلم، إن للأداء الأمانة فضائل عظيمة دل عليها كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم قال جل وعلا في بيان وصف المؤمنين المفلحين (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، فأثنى عليهم بأنهم مراعون للأمانات والعهود غير خائنين في أماناتهم وعهودهم، يقول صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ أَمْوَالِهِمْ"، ويقول أيضا: "لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ"، ومن فضائل الأمانة: أنها صفة للأنبياء الله فلقد ذكر الله خمسةً من رسله كل رسول موصوف بالأمانة قال نوح عليه السلام: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)، وقال: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)، وقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)، (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)، (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)، هذه الأمانة فطرت موجودة في قلوب الرجال فجاء الكتاب والسنة لتقوي هذه الأمانة في قلوب العباد، ومن فضائل الأمانة أنها صفة لمن يتحمل المسئولية تقول بنت شعيب لشعيب في حق موسى عليه السلام (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ)، ومن فضائلها: أنه وصف للمؤمن والتخلف عنها علامة النفاق لعظيم شأنها وفي الحديث في صفة المنافق: "وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"، ومنها: أن تضيعها علامة قرب الساعة سأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة، قال: "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"، قَالَ: كَيْفَ تضيع الأمانة، قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". أيها المسلم، وهذه الأمانة لها صور عديدة ومجالات واسعة فهي تشمل أصول الدين عقدية وشريعة وهي تشمل المعاملات والعلاقات الفردية والجماعية بين المسلمين، فهي منتظمة لكل حياة المسلم إذ المسلم يعيش بالأمانة في كل أحواله، فمن مجالات الأمانة أن هذا الدين الإسلامي أمانة في أعناق الجميع الدين أمانة في عنقه بالإيمان بالله وإخلاص الدين لله وصرف جميع أنواع العبادة لله جل وعلا، والإخلاص في ذلك، فهو أمانة في أعناق الجميع، من حيث الدعوة إلى الله وتبصير العباد والأخذ على أيد السفهاء والمفسدين، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ). أخي المسلم، وإن العبادات العملية من صلاة وزكاة وصوم وحج أمانة في عنقك، تؤديها بصدق وإخلاص وإتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)، فالإخلاص والمتابعة شرطان لقبول الأعمال، ومن مجالاتها: أن عمرك أمانة عندك، وعاء تملئه بالخير والتقى إذا وفقت لذلك، وسوف تسأل عن هذا العمر، فهي ساعتك معدودة وأنفاسك محدودة وعمرك أيام وشهور وسنون ثم تلقى الله جل وعلا، تسأل عن عمرك فيما أفنيته، يقول الله جل وعلا: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً)، وفي الحديث: "لا تَزال قَدِمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرُهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عَلِمهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟"، ومن مجالات الأمانة أخي المسلم المحافظة على القيم والأخلاق الذي دعا الإسلام إليها، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث ليتمم مكارم الأخلاق، فالمحافظة على أخلاق الإسلام وقيمه وفضائله من الأمانات المؤتمن عليها المسلمون لينشروا دين الله ويبينوا فضائل هذا الدين وخصائصه ومميزاته وما فيه من الخير والفضل والبركة. أيها المسلم، ومن مجالات الأمانة العقود والعهود بأن تؤدي العقود كاملة من غير هش ولا تقصير (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وفي الحديث: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"، ومن مجالات الأمانة صيانة العرض، سواء عرضك في نفسك، وأهل بيتك، وعرض الآخرين، فصن عرضك عما حرم الله عليك، وصن أعراض المسلمين من القدح فيها وفي الحديث: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ"، ومن مجالات الأمانة أيضا المال الذي بيدك، فإنه أمانة عندك أنت مسئول عن هذا المال، أين اكتسبت هذا المال؟ ; أكان طرق الاكتساب طرق صحيحة مؤذنةً لك شرعا أم كان اكتساب المال من حرام في الحديث: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لاَ يُبَالِى الْمَرْءُ من أين اكتسب أَمِنَ حَلاَلِ أَمْ مِنَ حَرَامِ"، فأنت مسئول عن هذا المال عن طرق وصوله إليك، ثم عن طرق إنفاقه وهل أديت الواجب لله، أديت الزكاة الواجبة المفروضة أم تهاونت وتكاسلت بذلك. أيها المسلم، الزوجة أمانة عند زوجها من حيث رعايته لها ونصيحتها وتوجيهها وتعامل معها بالمعروف والقيام بما أوجب الله من النفقة والكسوة وحسن المعاشرة، كما أنها مسئولة مؤتمنه على أولادها وعلى بيت زوجها وعلى ماله، وعلى فراشه. أيها المسلم، أولادنا أمانة في أعناقنا يجب أن نوجههم ونربيهم التربية الصالحة على قدر استطاعتنا، ونكون قدوةً لهم في الخير والتقى والتمسك بالآداب والقيم يقول الله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، الفتيات والبنات أمانة في أعناق الآباء إذا قدم ذو الكفء والدين والمروءة والأخلاق أن لا يقف حجر عثرة أمام زواجها في بعض الترهات لا قيمة لها، يقول صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وأمانته فَزَوِّجُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كبير"، الأبوان الأم والأب أمانة في أعناق الأبناء والبنات لاسيما عند كبر سنهما، ورق عظمهما، وضعف قوتهما، وقلة حيلتهما (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)، فهم أمانة عندك عند كبر السن وقل الحيلة وضعف القوة والجاه، أن ترعاهما حق الرعاية وأن تلطف بهما، أن تحسن إليهما وأنت تتذكر فضائلهما وجميلهما وما وصى بهما حتى تكون بارا بهما إن كنت من ذوي الدين والمروءة. أيها المسلم، إن أبناءنا وبناتنا أمانة في أعناق المعلمين والمعلمات ليؤدوا واجبهم نحن هذا الجيل، فيربي هذه الأمة الشباب والناشئة تربية صالحة إسلامية وقدوة خيرة من معلم ذو خلق بلسان طيب وقول طيب ومظهر إسلامي طيب، ومعلمة ذو خلق ودين وسمة حسن وعفة وحشمة وكرامة. أيها المسلم، وممن أؤتمن المسلم على الوصية، فالوصية أمانة في عنق الموصي فليتقي الله فيها أن لا تكون وصية جائرة فيها ظلم وعدوان وحرمان لبعض الورثة وانتقاص لحد بعضهم، فإن الله جل وعلا يقول: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)، والوصية الجائرة أن يوصي لبعض الورثة بشيء زائد عن الآخرين أو يقر لبعضهم بشيء ليس حقيقة قال الله جل وعلا: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)، فاحذر الوصية الجائرة الظالمة ولتكن وصيتك وصية عادلة موافقة للشرع. أيها المسلم، الشهادة أمانة عند الشاهد يؤديها بصدق وأمانة فلا يكتمها ولا يبخس شيء منها؛ بل يؤديها كاملة كما تحملها كلمة؛ بل يؤديها أداءً كامل قال جل وعلا: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)، أدها بصدق غنيا كان أم فقيرا: (إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)، لا تزور الشهادة ولا تكتمها أدها بصدق وأمانة طاعة لله دون أي مجاملة. أيها المسلم، كل صاحب مهنة هو ملازم على مهنته والتي يعدها فإن عدها بصدق وأمانة كان مؤمنا، وإن غش ودلس: "فمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"، الموظف في وظيفته مؤتمن على عمله أن يؤدها وقتاً وأداء، ويؤدي المعاملات كاملة لا يقدم أحد على أحد لأجل جاهٍ أو قرابة أو لأجل رشوة يأخذها؛ بل يؤدي عمله طاعةً لله وتقرب إلى الله وإبراء للذمة والقيام بالواجب. أيها المسلم، المجتمع المسلم أمانة في أعناق الأمة لاسيما العلماء والخطباء والمربون والمسئولون جميعا، المجتمع المسلم بأمس الحاجة إلى التكاتف والتعاون لحماية المجتمع وتقوية بناءه ورصد الصفوف بعضهم ببعض، والبعد عن كل ما يصدع بنيانه أو يهدد كيانه أو يضعف شأنه، فإن هذا أمانة في أعناق الجميع، الخطيب يبين، والمربي يبين، والمسئول يبين، وكل مسئول عن هذا المجتمع المسلم أن يبقى آمناً مترابطاً قوياً ثابتاً متماسكا لا تمتد إليه أيادي الطامعين والحاسدين والمفسدين؛ بل هو سد منيع أمام كل مفسد وكل منحرف لاسيما الذين يغرون النساء والسفهاء بما يغريهم به من فوضى لا داعيا لها وأمور تخالف الشرع كل هذا من التصالح القوية التي لا خير فيها، وإنما تدل علة فساد أولئك وتصورهم وقلة إدراكهم وإيمانهم يقول صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فكان بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِين فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا صعدوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا فَاسْتَقَيْنَا مِنْهُ وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا"، قال صلى الله عليه وسلم: "فإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا ونجوا جَمِيعًا، وإِنْ تَرَكُوهُمْ غرقوا جَمِيعًا"، هكذا المجتمع المسلم يجب أن نتكاتف وتعاون لإبقاء هذا المجتمع كيانا قويا متماسكا مترابطا ثابتا بعيدا عن كل المؤثرات، نأخذ عبرة من حولنا ولنكن مجتمع مسلم، أما إغراء النساء والسفهاء وتسلط الفتن ونحو ذلك فكلها أمور خاطئة تخالف شرع الله وتخالف الحياء والإيمان. أيها المسلم، ومن مجالات الأمانة الجار أمانة عندك، أن تحسن إليه وتكف الأذى وتبذل بالمعروف في الحديث: "لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ" أي: غدراته وخياناته، ومن الأمانة المجالس العامة كما في الحديث: "الْمَجَالِسَ أَمَانَةٌ، إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بحَدِيثَ والْتَفَتَ فَإنها أَمَانَةٌ"، إذا فالمجالس أمانة إلا مجالس يستحل فيها فروج محرمة أو تسفك الدماء أو أموال محرمة فهذه لابد من إيضاحها وبيانها. أيها المسلم، ما بين الزوجين من علاقات زوجية سر يجب أن يحفظ ولا يجب إفشاء ذلك السر ففي الحديث: "تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ من يُفْضِى الرَّجُلَ المرأة، والمرأة تُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا"، وهذه رذيلة وقلة حياء، ومن مجالات الأمانة نفسك أيها المسلم، نفسك أمانة عندك فاتقي الله فيها، وقد حرم قتلها (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)، فحرام عليك نفسك يجب أن تحليها بالفضائل والأخلاق، وأن تنقذها من عذاب الله وفي الحديث: "كُلُّكم يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا" (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، جوارحنا أمانة في أعناقنا السمع والبصر (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)، فسمعنا مسئول عنه أن لا نصغيه لحرام، وأن نسخره للاستماع فيما ينفعنا، بصرنا أن لا ننظر ما حرم الله علينا (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ)، (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)، فرجك أمانة عندك أن لا تظهر الحرام سئل النبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: "تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ"، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ: "الأجوفان الْفَرْجُ والْفَمُ" والله يقول: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)، وقال: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ). أيها المسلم، فمن مجالات الأمانة أيضا الإعلام فرجل الإعلام مؤتمن في وسيلته التي يلقي فيها وعلى كلماته وعلى أطروحاته وبرامجه وما يعد إن كان صادقا مؤتمًا قال خيرا ودعا إلى خير، فكلمته أمانة في عنقه أن لا يخط بقلم إلا ما هو خير وصلاح للإسلام والمسلمين، والله سأل عما يقول: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، العلماء العلم أمانة عندهم في نشر العلم وبيان الحق حتى يسلموا من كتمان العلم فإن الله ذم الكافرين (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ)، المحامون مؤتمنون في مهنتهم فإن يكونوا صادقين وتقوا الله وأدوا حقوق الأمناء، ولا يكون مهمتهم كسب القضية على أي حال كانت، خانوا أماناتهم، وطن الإسلام أمانة في أعناق الجميع حمايته والدفع عنه وعدم التستر على المجرمين والتغاضي عن المفسدين وأن نكون سدا منيعا أمام كل من يريد إفساد بلادنا أو إضعاف شأننا، أو الإخلال بأمننا فإن وطن الإسلام الأمة مسئولة عنه حمايةً له في الحديث: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا" أي من تستر عليه أو أعانه على شره وفساده، المخططون للأمة في اقتصادها وفي سياساتها وفي إعلامها وفي تعليمها وفي مجتمعها صناع القرار الله سأل عنهم يوم القيامة عما يخطون وينظمون وما يقررون فليتقي الله ربه، وليعلم أن الله سأله عن كل ما قرر وكل ما خطط فليتقي الله المسلم ربه في هذه الأمة في التخطيط لمستقبلها سياسيا وأمنيا واقتصاديا وتعليما واجتماعيا ليكون كل القرارات مبنية على أسس من الحق والثبات وقصد الحق وتحدي الصواب، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم ويعيننا وإياكم على ما أؤتمن عليه إنه على كل شيء قدير، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني إيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا، واستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ;أما بعدُ: فيا أيُّها النَّاس، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، عباد الله، إذا علمنا أن الدين كله أمانة في أصوله وفروعه وأحكامه كلها، فلعينا أن نحافظ على هذه الأمانة وأن نؤديها حقا. أيها المسلم، لا تصور أن هذا الدين تنظر إليه من زاوية ضيعة أو زاوية معنية لا هذا الدين ليس خاص بالصلوات والعبادات؛ بل هو دين يشمل جميع شؤون الحياة ينظمها قليلها وكثيرها، فإن خلقنا لعبادة الله ونقوم بما أوجب الله علينا، فالأمانة شاملة لعباداتنا ومعاملاتنا وعلاقاتنا الداخلية والخارجية وشؤون حياتنا اقتصادا وأمناً وتعليما وتخطيطاً وتنظيما لشؤون المجتمع كلها أمانة في أعناق الجميع، فليتقي العبد ربه فيما يأتي ونذر، وأسأل الله أن يوفق كل مسئول على القيام بما عهد على مسئوليته إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد كما أمر ذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، الأئمة المهدين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا وأصلح ولاة أمرنا، وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِالعزيزِ لكل خير، اللَّهمَّ سدده في أقواله وأعماله وبارك له في عمره وعمله وألبسه ثوب الصحة والسلامة والعافية، وشد وزره بولي عهده سلمان بن عبدالعزيز، وسدده في أقوله وأعماله، وأعنه على مسئوليته إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللّهمَّ سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم لا غرق، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون. ; ;