الصلاة ... طمأنينة وخشوع

الخطبة الأولى ; ; ; ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، إن للصَّلاة أثرًا عظيمًا في صلاح القلب، وزكاة النفس، واستقامة الأخلاق والسلوك، قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، فهي تشتمل على أمرين: نهيا عن الفحشاء والمنكر، وتقوية ذكر الله في قلب العبد: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ). أيُّها المسلم، هذه آثار الصلاة إنما تكون هذه الآثار العظيمة لمن أداء الصلاة بطمأنينة وسكينة، لمن أداءها أداءً كاملا مستكملا لشروطها، وأركانها وواجباتها، إن المؤمن حقا يعظم هذه الصلاة، ويحبها، ويفرح بأدائها، وينشرح صدره فيها، فهي قرة عين، وراحة باله، يقول صلى الله عليه وسلم: "حُبِّبَ إِلَىَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِىَ فِى الصَّلاَةِ"، ويخاطب مؤذنه بلالا قائلا: "أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلالُ الصَّلاةَ"، فهي راحة باله، وانشراح صدره، وقرة عينه صلى الله عليه وسلم، وهكذا المؤمن يحب هذه الصلاة، ويعظمها، ويحن إليها، ويشتاق إليها، كلما أداء فرضاً تطلع إلى الفرض الآخر، فقلبه معلق بها، وإن ذهب وجاء، وإن اشتغل في ملذاته ومباحاته؛ لكن في القلب تعلق بالصلاة وحب لها: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)، وفي السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: "رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ"، كلما قوي الإيمان في القلب كلما حب الصَّلاة، كلما قوي الإيمان في القلب كلما استأنس بهذه الصلاة، كلما قوي الإيمان في القلب كلما أحب المسلم هذه الصلاة، وارتاح واطمأن إليها، وبعكس ذلك المنافقون الذين تظاهروا بالإيمان وعطلوا الكفر المحض قال الله عنهم: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)، فانظر أخي قوله جل وعلا: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى): لا يقومون عن نشاط ولا عن رغبة، ولا عن محبة، ولا عن طمأنينة، ولا عن إيمان؛ ولكن حقنا للدماء وحفظا للأموال، وتظاهر بالدين خوفاً من أهل الإسلام، والله يعلم ما في قلوبهم من الكفر والضلال، قال تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ). أخيّ المسلم، إن الصَّلاة المؤثرة في صلاح القلب وزكاة النفس، واستقامة الأخلاق والسلوك، هي الصلاة التي تؤدى بطمأنينة وإناءه لا عجل في أدائها؛ولكن طمأنينة في الأداء، أداء من يرغب فيها ويحبها، لا أداء من يراها حملا فوق ظهره، يلقيها عن ظهره، لا، أداء من يحبها ويرغب فيها، ويستأنس بها، ويؤديها كاملة الشروط والأركان والواجبات، تلك الصَّلاة المؤثرة، تلك الصَّلاة النافعة، الماحية للخطايا والسيئات، تلك الصَّلاة التي هي نور للعبد، وضياء له في الدنيا ونجاة له في الآخرة. أيُّها المسلم، فطمأن في صلاتك، وأديها بطمأنينة في قيامك وفي ركوعك وفي اعتدالك بعد الركوع، وفي سجودك، وفي اعتدالك بين السجدتين، وكل أركان صلاتك أديها بطمأنينة، لترى اللذة والراحة والنفس الزكية عندما تؤدي تلك الصَّلاة، واحذر أداء من ينقرها ويستعجل في أدائها، ولا يذوق لذتها ولا حلاوتها، دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فجلس فجاء رجل فصلى، ثم سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم : "وعليك السلام، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فعاد الرجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام وقال: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فعلها ثلاث مرات، والنبي يقول له عقب كل واحدة "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، عند ذلك شعر ذلك الرجل بفطرته السليمة أن هناك أداءً كاملا في هذه الصلاة الصورة ظاهرة، إذا كيف ينفى عنه حقيقة الصَّلاة وقد أداء تلك الصَّلاة الظاهرة قياما وركوعا واعتدالا وسجودا، إذا لابد من خلل كامل بالنفس لابد من استبانةًً لهذا الموضوع، لابد من كشف حقيقة هذا الأمر، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِى، فعند ذلك علمه المربي صلى الله عليه وسلم، الرءوف بأمته، الرحيم بهم، العزيز عليهم ما يعنتهم، علمه برفق وحكمة وطمأنينة، علمه برفق وأناءه، علمه تعليم المعلم المخلص الصادق بتعليمه، فصلوات الله وسلامه عليه، لم يعنفه، ولم يغضب عليه، ولم يخاطبه بقول سيء، عليم أنه جاهل جاء ليتعلم، وأنه خفي عليه الأمر، يريد أن يتعلم ويتعرف الحق، وأنه فعل ما فعل إلا عن جهل وقلة علم، فاستعد للتعليم، واستعد للتوجيه، فقال له صلى الله عليه وسلم برفق وحلم وأناه وطمأنينة وصدر منشرح، ولسان خير صلوات الله وسلامه عليه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، فقال له: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ": أي تكبيرة الإحرام التي هي تحريم الصَّلاة كما في الحديث: "مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، " فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآن": أمره بأن يقرأ ما تيسر وهذا المتيسر هو فاتحة الكتاب بلا إشكال لدلالة النصوص الدالة على اشترطها في الصلاة، وأنها ركن من أركان الصَّلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ"، ثم أمره أن يطمأن في ركوعه فقال: "ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا"، ركوعاً مطمأناً فيه لتؤدي فيه ذكر الركوع المشروع: "سبحان ربي العظيم" وما يسر الله، ثم أمره أن يعتدل عندما يرفع رأسه من الركوع فيعتدل ليأتي بالذكر المشروع بعد الرفع من الركوع: "ربنا لك الحمد" إلى آخره، "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا"، ثم أمره أن يطمأن في سجود: "ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا"، ثم أمره أن يعتدل في جلوسه بين السجدتين فيطمأن في اعتداله بين السجدتين، وأن يطمأن في السجدة الثانية، وأن يؤدي كل ركعات الصلاة كما أدى الأولى بطمأنينة وأداء كامل، ذلك أن أدائها بلا طمأنينة وجوده كعدمه. فعلى المسلم أن يتقي الله في صلاته، ويحرص على الطمأنينة فيها إمامًا أو مأمومًا، والإمام مسئوليته عظيمة لأن كمال صلاته كمال صلاة من ورائه وهو مؤتمن على صلواته، فليؤديها كما أمر الله. أيُّها المسلم، هذا الحديث يسميه العلماء حديث المسيء في صلاته، والإساءة جاءت بعدم الطمأنينة في القيام والركوع والسجود، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم عدم الطمأنينة في الصَّلاة بأنه سرقة في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس سرقة الذي يسرق في صلاته"، قالوا: كيف يسرق في صلاته؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها"، وقال أيضا: "لا يقبل الله صلاة رجل لا يقيم صلبه بين الركوع والسجود"، وقال أحد الصحابة: وقد رأى مصلي غير مطمأن كم لك من سنة؟ قال: ستون سنة على فعل هذا، قال: لو مت على هذا لمت على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم، إذا على المسلم أن يطمأن في الصَّلاة طمأنينة المحب الراغب فيها لتؤدي هذه الصَّلاة آثارها الفعالة، ونتائجها الطيبة، أسأل الله للجميع التوفيق والسداد. أيُّها المسلم، ومما يؤثر على المسلم في صلاته ويجعل هذه الصَّلاة صلاة كاملة أن يكون المأموم مقتديًا بإمامه في صلاته غير متقدم عليه، لا يسابقه، ولا يتأخر عنه، ولا يماثله؛ بل تكون أفعاله بعد أفعال إمامه لأنَّ الجماعة شرعة لنا، وأن نصليا وراء إمامنا فصلاتنا وراء إمامنا تقتضي اقتداءنا به وإتباعنا له، وعدم مسابقتنا له أو تأخيرنا عن ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه ذلك بقوله: "إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلاَ تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ وَلاَ بِالْقِيَامِ وَلاَ بِالاِنْصِرَافِ"، وقال أيضا لهم: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلاَ تَخْتَلِفُوا عليه، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلاَ تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَلاَ تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَلاَ تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُينَ"، وحذر من سابقة المأموم لإمامه وجعل ذلك معصية وكبيرة فقال صلى الله عليه وسلم: "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ, أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟"، تحذيرا للمسلم من مسابقة الإمام لأن مسابقة الإمام تدل على غفلة القلب، وعدم الانتظام والاهتمام، وأن هذا المأموم في شأن والإمام في شأن آخر، فعدم تقيده بإمامه يدل على غفلة قلبه في صلاته احضرها بجسمه وقلبه غافل، وقال: "الَّذِى يَرْفَعُ أو يركع قَبْلَ الإِمَامِ نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ"، وقال رجل من الصحابة لمسابق الإمام: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت، إذا فعلينا جميعًا أن نلاحظ هذا، وأن لا نسابق إمامنا في أحوال صلاتنا لنكون منتظمين وراء إمامنا الانتظام الذي أرشدنا إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، فطمأنينتنا في صلاتنا، ومتابعة إمامنا في صلاتنا لها آثر عظيم في انتفاعنا بالصلاة وتأثرنا بها والله يقول: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني إيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا، واستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ;أما بعدُ: فيا أيُّها النَّاس، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، عباد الله، الخشوع في الصلاة روح الصلاة ولبها، والخشوع ميزان قبول الصَّلاة، فعلى قدر الخشوع القلب في الصَّلاة على قدر ثوابها، فكلما كان الخشوع كثيرًا كان الثواب عظيما، وكلما قل الخشوع قل الثواب، جاء في الحديث: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّى الصَّلاَةَ مَايُكْتَبُ لَهُ إِلاَّ عُشْرُهَا إِلاَّ تُسْعُهَا إِلاَّ ثُمُنُهَا إِلاَّ سُبُعُهَا إِلاَّ سُدُسُهَا إِلاَّ خُمُسُهَا إِلاَّ رُبُعُهَا إِلاَّ ثُلُثُهَا إِلاَّ نِصْفُهَا"، فكلما قوي الخشوع عظم ثواب الصَّلاة، والخشوع دليل على قوة الإيمان والرغبة في الخير، وللخشوع أسباب فمن أسباب الخشوع: التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن أسباب الخشوع: استحضار عظمة من تقف بين يديه، وكبريائه وجلاله وعظمته، ومن أسبابه: تدبر القرآن، وأذكار الصَّلاة في الركوع والسجود، وحضور قلبك عند أداء الصَّلاة، وقد أثنى الله على الخاشعين في صلاتهم فقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، فالخشوع مطلوب منا في صلاتنا عباد الله، أن نخشع لأدائنا في صلاتنا، وأن نقبل عليها بقلوبنا، خشوع القلب الذي تتأثر به الجوارح في الصَّلاة، وللخشوع في الصَّلاة أسباب فمن أسباب الخشوع في الصلاة: البعد عن كل المشغلات والملهيات، النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكمل الخلق خشوعا وطاعة لله، صلى في خميصة أهديت إليه فكان في تلك الخميصة أعلاما، فلما صلى قال: "إن هذه الأعلام عرضت لي في صلات، أذهبوا بتلك الخميصة وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها أشغلتني آنفا في صلاتي"، وراء في بيت عائشة قراما فيه تصاوير فقال: "أزيليه، فَإِنَّ تَصَاوِيرُهُ لاَ تَزَالُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلاَتِي"، فبعد المصلي عن كل ما يشوشه، ويشوش قلبه مطلوب، من أسباب الخشوع غض بصرك وقصره على موضع سجودك، فإنك إذا نظرة في بصرك فوق أو تحت ربما ترى شيئا يشغل قلبك ; في صلاتك، يقول صلى الله عليه وسلم في حديثه صلى الله عليه وسلم قال: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ"، وحذرنا صلى الله عليه وسلم من الالتفات في الصلاة وقال: "أنه اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ"، ونهى عن مس الحصى وقال: "أَنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُ العبد"، وقال: "ما منكم إلا ويناجي ربه، فلا تمسوا الحصى، فإن الرحمة تواجه العبد في صلاته"، ونهانا أن نأكل في الصلاة وقلوبنا معلقة بأكل أو مدافعة الحدثين فقال: "إذا خضر العشاء والمغرب فابدءوا بالعشاء قبل صلاة المغرب"، وقال: "لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ يُدَافِعُ الأَخْبَثَانِ"، وحث صلى الله عليه وسلم على أن المسلم في صلاته يقبض يسراه بيمناه، ويجعلها على صدره ليكون أقرب للخشوع وأبعد عن العبث وقال صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلاَ أَكُفَّ شَعْرًا وَلاَ ثَوْبًا"، كل هذا حرص على الخشوع في الصَّلاة، فلنخشع في صلاتنا، ولنبتعد عن كل ما يشوش أفكارنا، وسائل اتصالنا نجعلها بشكل لا يلهينا عن صلاتنا، نظرنا إلى تلك الوسيلة في صلاتنا ربما شغل قلوبنا بشيء، يجعلنا نذهل عن صلاتنا. فلنتقي الله في صلاتنا، ولنحافظ على الخشوع فيها، ولنحذر ما يسبب التشويش علينا، ولنأتيها بقلوب مؤمنة ونفوس مطمئنة نرجوا من الله الثواب، أسأل الله أن يمَّنَّ عليّ وعليكم بقبول أعمالنا إنَّه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، الأئمة المهديين أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ آمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللَّهمَّ وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِالعزيزِ لكل خير، وسدده في أقواله وأعماله، ومنحه الصحة والسلامة والعافية وكن له عون في كل ما همه، اللَّهمَّ شد عضده بولي عهده سلمان بن عبدالعزيز وسدده في أقواله وأعماله، ورزق الجميع القيام بما أوجب الله إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللّهمَّ سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم لا غرق، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.- خطبة الجمعة 09-06-1434هـ