العناية بالأطفال - خطبة الجمعة 10-05-1434هـ

توجيهات نبوية للعناية بالأطفال الخطبة الأولى ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونستهديه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، لقد اهتم الإسلام بشأن الطفل منذ ولادته اهتمامًا عظيماً، وأولاه عنايةً بالغة، ذلكم أن هذه المرحلة من أهم المراحل في حياة الإنسان، تكون فيها شخصية الإنسان، وتكون مجالا لغرس الأخلاق والعقيدة في نفوس النشء، والمرحلة الطفولة من بعد الولادة للاحتلام تلك مرحلة مهمة، اعتنى بها صلى الله عليه وسلم غاية العناية، واهتم بها غاية الاهتمام، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث مبشرًا ونذيرا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)، وهو القائل: "بُعِثْتُ مُعَلِّمًا وَلَمْ أُبْعَثْ مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا". أيها المسلم، وإذا تأمل المسلم سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وتعامله مع الصغار، وحسن الرفق بهم، واعتداده للمستقل رأيت أمراً عجيبا، فمن ذلكم: ما رواه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يَا غُلاَمُ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاَسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ "، وفي رواية: ; "احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِى الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِى الشِّدَّةِ". أيها المسلم، هكذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عباس في صغره بهذه الوصية العظيمة النافعة راووه لذلك فأوصاه بتلك الوصية هي له ولغيره لكنها وصية عظيمة أوصاه: بامتثال أوامر الله واحتفاظها، وحفظ أوامر الله باجتنابها، أوصاه بتعلق قلبه بالله، فإذا سأل واضطر فليسأل الله، وإذا استعان فليستعن بالله، فالله خير مسئول لأنه القريب المجيب القادر على كل شيء، يربيه على الثقة بربه، والاطمئنان إليه، وقطع العلائق عن التعلق بالخلق: "إِذَا سَأَلْتَ فَاَسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ"، يغرسه فيه الإيمان والعقيدة والأخلاق الفاضلة، يرشده بقوله: "احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ" ليقوي صلته بربه وليعلم أن الله جل وعلا بيده الحياة والموت والأرزاق والآجال، ليقوي صلته بربه ليعلم أن الله طلع عليه، عالم بسره وعلانيته: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ)، ليقوي إيمانه بقضاء الله وقدره يقول له: " وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ"، يرب فيه الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن "مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ"، "اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"، يقول الله جل وعلا: (مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، يستصحب هذا الطفل معه ويرفقه معه ليتخلق بالأخلاق الفاضلة، ويتربى على القيم والفضائل، فيعلمه الخير ويشعر بذلك، يربيه التربية الصالحة والتنشئة الخيرة. أيها المسلم، ومن ذلكم أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء أدعو به في الوتر قال: "قل اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، عَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي برحمتك، وصرف عني شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِى وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ" هكذا لقن النبي هذا الغلام الصغير، لقنه والتلقين وسيلة من الوسائل التعليمية في السن المبكرة، لقنه هذا الدعاء في القنوت، لقنه هذا الدعاء ليدعو به في قنوته، أن سأل الله الهداية وأن يجعله في جملة من هداه الله وعافه، وأرشده إلى قوله: " عَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ"، وأن يسأل البركة فيما أعطاه، فالبركة تنال من الله، ويخبره أن العز والذل بيد الله، فلا عزيز إلا من أعزه الله، ولا ذليل إلا من أذله الله، فالعزة بيد الله والذلة بيد الله: " إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ"، فأولياء الله ليسوا بأذلاء؛ بل هم الكرماء الأعزاء، وأعداء هم الأذلاء قال جل وعلا: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، أرشده لهذا الدعاء لصغره ليعمل به وتكون سببا لاستقامة حاله وتعلقه بربه وسؤاله الهداية والعافية والعز والتمكين والبركة في الرزق، هكذا اعتنى النبي بالصغار في أول شأنهم. ومن ذلكم: أن أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا يقول: أن النبي قال له: "يَا بُنَي إِيَّاكَ وَالاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ الاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ هَلَكَةٌ"، يوجه النبي لأنس بن مالك بخطاب لصغر سنه: يَا بُنَي، خطاب فيه اللطف والشفقة والمحبة والأنس: "يَا بُنَي إِيَّاكَ وَالاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ" أقبل بوجهك في صلاتك على قبلتك، وأنت تقف بيت يدي ربك فأقبل قلبك على قبلتك وإياك والالتفات فإن الالتفات في الصلاة من وساوس الشيطان، كما قالت عائشة رضي الله عنها أنه سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة قال: "ذلك شيء يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ"، فعلم هذا الطفل شأن الصلاة، واهتم بشأن الصلاة، ليعلمه كمال الصلاة وما ينقص الصلاة وما يقلل ثوابها، ويخبره بقوله: فإنها هلكة، ليبين السبب الذي نهاه عن الالتفات في الصلاة لأن هذا هلكة، والهلكة نقصان ثواب الصلاة وعدم كمالها. فانظر إلى هذه التربية، وهذا التوجيه مع الصغار ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أُغَيْلِمَةَ من بني هاشم عَلَى حُمُرَاتٍ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ: "أُبَيْنِىَّ لاَ تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ". فانظر إلى هذه التربية العظيمة هذا ابن عباس بعثه مع عدد من أهله قدمهم يوم ليلة الجمع قبل حطبت الناس أوصاهم بقوله: "لاَ تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ"، فانظر إلى هذا الخطاب لهؤلاء الصغار يلطح أفخاذهم ليبين لهم ومودته لهم وحنانه عليهم، يأمرهم بأن يصحبوا الكبار الذي لهم الحق قبل أن يرموا قبل طلوع الفجر ويرشد أولئك إلا أن يكون رميهم بجمرة العقبة بعد طلوع الشمس لأنهم أقويا أشداء، فدل على الاهتمام بالصغار وصحبتهم في مواسم العبادة، ثم الحرص على تكميل عباداتهم وإتمامهما والإتيان بها على الوجه الأكمل، فإن الرمي قبل طلوع الشمس جائز؛ لكن الكمال والأفضل أن يكون رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، فصلوات الله وسلامه عليه. ومن ذلك أيضا: أن عمر بن أبي سلمة قال كانت في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فكانت يدي تطيش في الصحفة إذا أكلت، فقال لي: "يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"، هذا الغلام ابن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم تربى في حجره فعلمه وأدبه: "يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"، فأولا ننظر كيف صحح أخطاء الطفل؟ صحح أخطاءه وأغلاطه بأسلوب مناسب لم يزجره، لم يغضب عليه، لم يضربه؛ ولكن بأدب واحترام، غرس فيه الفضائل وعلمه الخير، "يَا غُلاَمُ" تلطف منه صلى الله عليه وسلم "سَمِّ اللَّهَ" أي: قل قبل أكلك بسم الله فإنها بركة من الله عليك لأن النعم من الله، وإذا استعنت بالله على تناول نعمه التي أنعم بها عليك بعدت الشيطان عنك فلا يدنو الشيطان منك سبيلا، فإن الشيطان يأتي إلى البيت فإن ذكر رب العالمين أبعد الشيطان عنك، وإن أكل وشرب وذكر الله قال الشيطان: "لا مبيت لكم ولا عشاء في هذا البيت"، إذا فأمره بسم الله، صححه أخطاءه وأقام سلوكه: "سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ"، أجعل أكلك بيمينك فإن هذا خلق الإسلام، فالشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، والمؤمن عكس يأكل بيمينه ويشرب بيمينه: "سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ"، "وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" حذره من أن تطيش يديه في الإناء هنا وهناك، لأن طيشها وتجاوزها الموضع يدل على الشره والجشع وعدم التأدب، فأراد منه أن يكون على خلق في أكله فيأكل مما يليه ولا يؤذي الآخرين ولا يطيش هنا وهناك، لأن هذا يدل على الشره وعدم الشبع وقلة الأدب، فأدبه بهذه الكلمات الثلاث "سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"، ما النتيجة هذه الأمور: "فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِى إلى اليوم" يعني: أني تأثرت بها وعملت بها وطبقتها فكنت أسم الله، وأكل باليمين، وأكل مما يليني، هذه التربية الطيبة والتنشئة الخيرة. ومن ذلكم أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الأنصار في دورهم فيسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم ويدعوا لهم، هكذا صلى الله عليه وسلم يأتي الأنصار في دورهم ليعرض لهم مكانتهم، ويعرض لهم فضلهم ويعرض لهم سابقتهم، ويعرض لهم فضلهم وإحسانهم وموساتهم ومؤاخاة إخوانهم المهاجرين يعرض لهم كل هذه الأمور لهم فهو يكافئهم بمثابة مكانتهم والتحبب إليهم، وإيناسهم مقابل نعمهم وفضائلهم بهذا، ثم يأتي صبيان الأنصار يسلم عليهم ويمسح رؤوسهم ليناولوا من بركته ودعائه صلى الله عليه وسلم، ذلك المبري العظيم الذي ربى هذه لأمة على هذا الخلق العظيم، تواضع جم من خير البشرية، من سيد ولد آدم أفضل مخلوق مشى على الأرض، يسلم على الصبيان ويمسح رؤوسهم ويدعوا لهم فيزدادوا هم محبةً له ومودة له وحنانًا وشفقةً عليه، كان جرير بن عبدالله إذا صحب أحداً من الأنصار سأله بالله أن يكون له جار وخادماً له قال: إني رأيت من الأنصار أمرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاهدت على نفسي أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته، تقديرا لهم وتكريما لهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فسلم على الصبيان ومسح رؤوسهم ودعا لهم تربيةً عملية، وخلق رفيع، وسيرة نبيلة. قال أنس قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا بُنَىَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ عليهم تكُن بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ"، أنظر يوصي هذا الغلام الصغير إذا دخلت بيتك فسلم فقل: السلام يكون هذا السلام بركة عليك وعليهم، فإن السلام أفضل خصال الإسلام يقول صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ" وقال: "فَإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً"، إذا فيشرع لنا إذا دخلنا بيوتنا أن نقول: السلام عليكم، نسلم على أنفسنا وعلى أهلينا لتكون هذه الكلمة بركة علينا وعلى أهل بيوتنا، نسأل الله التوفيق والسداد. ومن ذلكم: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى طعام دعي له فرأى الحسين يلعب في السكة مع الغلمان فأمسك بيديه ليقبض عليه فكان الغلام يلعبون هنا وهناك، حتى قضاه الحسين ضمه إليه وقبله وقال: "الحسين مني وأنا منه، من أحب الحسين فقد أحبني، الحسين سبط من الأسباط"، هذا صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه، كيف هذا التعامل مع الصغار واللطف بهم، والتودد بهم صدق الله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، قال أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورنا في بيتنا فزارنا مرة ولي أخ يقال: له أبو عمير صغير له نغير طائر مات ذلك الطائر فرأى عمير حزيناً، فقال: "ما أحزنه؟"، قالوا: مات نغيره، فكان يقول: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ"، تأنساً له، وتسليةً له عما أصابه من موت ذلك الطائر الذي يلعب به وهو طفل صغير، لكنه يؤنسه بذلك الكلام، وهذا اللطف، صلوات الله وسلامه عليه أبداً دائما إلى يوم الدين. حدَّث الحسن بن علي بن أبي طالب أنه أخذ تمرةً من بيت النبي ووضع في فيه، وكان تلك التمرة من تمر الصدقة فقال له: "كِخٍ كِخٍ، أَلا تَعْلم أَنَّا أهل بيت لاَ تَحِلُّ لنا الصَّدَقَةَ" فألقاها من فيه، هكذا التعليم والتأديب زجرٌ عن الحرام والمخالفة، ودعوا إلى الفضائل، يؤنسهم تارةً، ويلطف بهم، ويزجرهم عن المخالفة لكن بأسلوب مقنع: "كِخٍ كِخٍ، أَلا تَعْلم أَنَّا أهل بيت لاَ تَحِلُّ لنا الصَّدَقَةَ"، كل هذا من التلطف والمعاملة الحسنة، وتربية النشء على الأخلاق والفضائل من الصغر وإبعادهم عن الأخلاق السيئة. وكان صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس فأتي أمامة بنت أبنته صلى الله عليه وسلم فإذا يحملها معه في صلاته إذا قام حملها، وإذا ركع وضعها، كل هذا من عناية الصغار وتربيتهم على القيم والفضائل والأخلاق والقرب منهم، دخل عليه أعرابي وهو يقبل الحسن والحسين فقال: يا محمد تقبل صبيانكم، إن لي عشرة من الأولاد ما قبلتُ واحداً منهم، قال: "ما ألوا أن نزع الله الرحمة من قلبك" فيأتي الحسن والحسين فيبول على ثوبه فيدعو بالماء ويتبع البول الماء وينتهي الموضوع من غير ضجر ومن غير كلام سيء ومن غير معاتبه، فصلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين، وصدق الله في قوله جل وعلا في حق محمد صلى الله عليه وسلم أنه رءوف بأمته حريص على هدايتهم، حريص بهم، رفيق بهم صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، صلوات الله وسلامه عليه أبداً دائما إلى يوم الدين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني إيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا، واستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ;أما بعدُ: فيا أيُّها النَّاس، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، عباد الله، من تربية محمد صلى الله عليه وسلم للنشء أنه يعده الإعداد الصالح، ويهيئه للمستقبل، ويولي الثقة بنفسه، ويعلمه المسئولية وتحملها ليكون غداً ذا شأن عظيم وشخصية فذة، وجهش ثابت، قال أنس رضي الله عنه: كنت ألعب مع الصبيان فأتني النبي صلى الله عليه وسلم فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما رجعت أين كنت؟ قلت لها: بعثني النبي في حاجة، قالت: وما هي؟ قال: يا أماه سر محمد صلى الله عليه وسلم، قالت: لا تخبر بسر رسول الله أحداً من الناس، أنظر إلى هذه التربية العظيمة يأخذ هذا الغلام، خادمه الذي يلعب من الصبيان ويحمله الثقة والمسئولية ويهيئه لتحمله هذا الأمر العظيم وهو سر أسره إليه مما يتعلق بأهله؛ لكن المهم أن هذا الغلام عده ليتحمل المسئولية فشعر بذلك، لما رجع إلى أمه تسأله ما أخرك؟ قال: حاجة لرسول الله، سر لا تسألي عنه غنه سر أودعني إياه فلا أخبر به أحدا، قالت: لا تخبر أحدا، هكذا النشء يعلمه الثقة بنفسه ويهيئه ويعده ولا يقول صغير لا يتحمل، لا، صغير اليوم كبير غدا، أهله وأعطيه الثقة وعوده الأمور وهيئه للمستقبل فإنك أبوه، أنت أبوه، اليوم وأنت معه وغدا ستموت لابد أن تهيأ هذا النشء تهيئةً صالحة تعطيه الثقة بنفسه، وتشعره بأنه مسئول وانه على مسئولية وأنه قدر للمسئولية؛ لكن ينشأ نشأتاً طيبة، بأن حفظ السر أمر عظيم، قال عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما أردفني النبي يوماً معه، أفشاني سرا لا أخبر به أحد، كل هذا يدل على أن كتمان السر الذي في كتمانه مصلحة للفرد والجماعة يجب إخفاءه وعدم نشره ولا يقوى على تلك الأمور إلا من ربي وأعد الإعداد منذ الصغر حتى يكون أهلاً للمسئولية ومشعراً بالمسئولية. أيها المسلمون، إذا كان هذا رسول الله يعلم الغلمان الأسرار اليسيرة وكتمانها، فيا أيها الأخوة، إن مما يؤسف له أن البعض مما ينتسب إلى الإسلام هم أعداء للأمة يعيشون بيننا وهم أعداء لنا، أولئك الذين جعلوا أنفسهم مطايا الأعداء الله يفشون أسرار الأمة ويخططون لهم ما يضرون بالأمة في حاضرها ومستقبلها، هذا الدم العظيم إنما يصدر من فاقد الإيمان، من في قلبه إيمان حق لا يرضى أن يكون عدواً لأمته عوناً لأعدائه؛ بل يكون خصماً للأعداء ومحافظا لأسرارها وما يتعلق بأسرها أمنياً واقتصادياً وغير ذلك، يسعى في نشر الخير ويسعى نهض الأمة في اقتصادها وفي أمنها وفي كل أحوالها حريصا عليها وعلى حفظ شأنها، أما أن يكون مع الأعداء عدو للأمة يكيد لها المكايد ويغل لها الغوائل، فتلك دليل على قلة الإيمان، الله جلَّ وعلا خاطب الأمَّة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)، فحكم على من يفعل ذلك بأنه ضل سواء السبيل، لابد للمسلم أن يكون عونا للأمة على أمورها كلها في أمنها واقتصادها وتخطيط مصالحها وتعليمها وإعلامها، ومن أراد سواء ذلك أو خطط سواء ذلك، فليعلم أن هذا دليل على فقدان الإيمان، نحن بحاجة إلى التلاحم واجتماع الكلمة ووحدة الصف لمواجهة كيد الأعداء الذي يوجهون بإفشال الأمة، وأن يحدث في صفوفها الفرقة والبغضاء والعداوة، نسأل الله العفو والعافية كلها إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد امتثالا كما أمر ذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، الأئمة المهدين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا وأصلح ولاة أمرنا، وفقهم لما فيه خير الإسلام والمسلمين إنك على كل شيء قدير، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِالعزيزِ لكل خير، اللَّهمَّ سدده في أقواله وأعماله ومنحه الصحة والسلامة والعافية، اللَّهمَّ وفقه لما تحبه وترضاه، اللَّهمَّ شد عضده بولي عهده سلمان بن عبدالعزيز، وقوه على الحق والإعانة والتوفيق إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، ;(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللّهمَّ سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم لا غرق، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون. ;