المراد بالفاحشة في هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).

السؤال: 
مقدَّم الحلقة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلَام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحيَّاكم إلى لقاءٍ جديد من برنامج (نورٌ على الدرب)، في حلقة هذا اليوم يُسرنا أن نعرض أسئلتكم على ضيف البرنامج سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، وإمام وخطيب جامع الإمام تركي بن عبد الله في وسط مدينة الرياض. السلام عليكم يا شيخ عبد العزيز وأهلًا بكم. الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . سائل يسأل في قوله -تَعَالَى-: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، ما هى الفاحشة التي وردت في هذه الآية؟ وهل تشمل مساوئ الأخلاق جميعًا؟
الإجابة: 
;بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكَ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وأصَحْابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعْهُم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ. وبَعْد، هناك أمران: الأمر الأول: يتعلق بذات المسلم؛ كل فرد منا لا يخلو من الخطأ، كلنا خطاء «وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، مهما بلغ المسلم من الفضل والعلم والإيمان لابد أن يُخطيء، وإذا أخطأ ليس الخطأ وحده هو العيب إنما العيب الإصرار على الخطأ بعدما يتبيَّن إنه خطأ. قد يخطيء الإنسان عن تصور وعن ظن وأمورٌ أخرى ولكنه لا يقر على الخطأ، هذا أمر ممكن إلَّا أن المؤمن لا يستمر على خطأه بل يتراجع إذا رأى الصواب. الأمر الثاني: موقف المسلم من المخطيء؛ لاشك أن المؤمن يُغار على دين الله، ويُغار أن تنتهك حُرمات الله، لكن غيرته مبنية على أصولٌ شرعية وضوابط شرعية، غيرته تدعوه إلى أن ينصح ذلك المخطئ ويرشده ويُبين له الحق ويحذره من الباطل، وينصحه فيما بينه وبينه، أما أن يتخذ من معصيته وسيلة للحط من قدره وشتمه وسبَّه وشذَّب ذي عرضه والتكلم فيه، ومحاولة طمس فضائله وأخلاقه الصالحة واشاعة الفاحشة عنه، ونشر الرذيلة عنه، وتجسيدها وتكبيرها ; وتعظيمها ولو كانت يسيرة ولكنه يحب أن ينال من عرضه لما في قلبه من البغض والحقد والغيظ ويتمنى ويتربص بأخيه المسلم الدوائر ويتمنى أي فرصة ليعيب أخاه المسلم، ويظلمه ويطعن في عرضه، ويحط من قدره، هذا أمرٌ خطير! وأمرٌ مشين لأن هذا دليل على عدم محبة، وفرحك بانتقاصك أخيك وفرحك بمعصية أخيك يعتبر عيبًا فيك نفسك لأنك تُحب الشر لأخيك لا تحب الخير له. وهذه الآية في معرض تبرئة أمنا عائشة من حادثة الأفك، التي قالوها فيها زورُا وبُهتانًا، قال -جَلَّ وَعَلاَ-:((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) يُحبون أن تشيع فيهم وأن تنتشر عنهم وأن تنطلق عنهم لما في قلوبهم مرض. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ). ;إذًا يا أخواني: المنافق في عهد رَسُول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رئيسهم، كان يشيع هذه الفتنة، الطعن في عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا- كلما جلس في مجلس حرك الناس وأبدى وأعاد وحاول أن ينشر هذه الفاحشة المكذوبة على أم المؤمنين، حاول أن ينشرها ويُبثها بين صفوف المجتمع، لكي يّحط من ُقدر بيت النبوة ومن فراش النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالإشاعات الملوثة ويجعل بيته بيتًا غير مستقيم وغير شريف لما في القلب من البغض والعدواة للهِ ولرَسُوله، وهذا دلَّ كله دلَّ على نفاقه وضلاله، لأن بيت النبوة بيتٌ نظيف والفراش فراشٌ نزيه ونظيف، وحاشا أم المؤمنين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا- أن ترتكب هذه الفاحشة القبيحة، حاشا وقد برأها اللهُ من ذلك؛ فمن اعتقد تلوثها بالفاحشة فأنه كافرٌ مرتد عن الإسلام مكذبٌ للهِ ولرَسُولهِ، بل يعتقد أن ما قاله فيها الأفاكون من المنافقين أو بعض ضعيفي الإيمان أنه قولٌ خاطيٌ وسيٌ وكذبٌ وافتراء، لكن لُبس على البعض ما لُبس؛ فعفا الله عن المؤمنين ولعن الله المنافق. فيا اخواني: الحذر الحذر من التفرح على إخوانك أوأن تفرح بفساد إخوانك، أو ضلالهم أو اختلافهم، أو الشر بهم، إذا سمعت لهم عورةً فاسترها وأنصح وعظ لله إن تمكنت، وإلَّا فامسك لسانك عن ذلك، ففي الأثر: "من عيَّر أخاه بذنبٍ لم يمتِ حتى يفعله"، وفي بعض الألفاظ يقول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ فَيِعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ». فالحذر الحذر من إشاعة الفاحشة بل ينبغي كتمانها، قال بعض السلف: "إن إشاعة الفاحشة طعنٌ في الإسلام وأهله"، لأننا أردنا أن ننشر كل فاحشة وكل خطأ ; ونجسد الأخطاء وننشرها بيين الناس، معناه فرقنَّا شملنا وشتتنا أمرنا وسعينا بالعدواة بين الناس وبين بعضنا البعض، وهذا أمرٌ لا يجوز بل يجب أن نحصر الخطيئة، ننصح ونستر ونحذر، ونأمر وننهى بحكمة، وألَّا نطلق ألسنتنا بالعنان بالتجريح والسَّب. ;وهذا يشمل فاحشة الزنا وجميع المنكرات، أن تشيع عن أخيك المسلم أنه يأكل الرشوة يأكل الرَّبا يخون وأنت على غير بصيرة، وإنما هى ظنونٌ وأوهام، وتناقل كلامٍ عن كلام لا أصل له، فالواجب أن نحمي أعراضنا وأن نكفَّ ألسنتنا وأن نتعوذ بالله من الشيطان، وألَّا لا نجعل علينا سبيلا، وأن نوحد كلمتنا واجتماع الصفَّ وأن نصم أذاننا عن الشائعات، والأراجيف والأكاذيب التي تُحاك ضد الإسلام وأهله.