المشورة

الخطبة الأولى ; ; ; ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، أقام الإسلام المجتمع المسلم على أسس متينة قوية ولذا أتم بأمر الشورى واعتنى بها في حياة الإنسان الفردية والجماعة، إذ الإنسان بطبعه مضطر للآخرين وكونه يفكر بعقول متعددة خير من أن يكون التفكير بقلب واحد، ولهذا فللشورى أهمية في حياة المسلم والمواقف التي تمر به، ومن تدبر كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم رأى للشورى أمرا عظيما وشأنا كبيرا، فمن ذلكم: أن الله أمر بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم الذي يأتيه الوحي من السماء، أمره الله باستشارة أصحابه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ*)، وأثنى على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم فال: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، وجعل فطام الصبي راجع إلى تشاور الأبوين، وأمرهما أن يتآمرا بالمعروف وقال جل وعلا: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) وقال: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ)، وجعل الشورى سببا لنجاع العمل والسلامة من الفشل والإخفاق، فيروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما خاب من استخار ولا ندم من استشار"، ومارس النبي صلى الله عليه وسلم الشورى مع أصحابه في مواقف كثيرة: قال أبو هريرة رضي الله عنه لم يكن أحد أكثر استشارة من النبي مع أصحابه فكان يستشيرهم وأصحابه وخلفاءه الراشدون كانوا أهل مشورة لقومهم، فكان عمر رضي الله عنه يستشير قراءه كهونا أو شبابا وكان ابن عباس يجلسه مع الصحابة لما رأى من فقه وعلمه وقدرته على ذلك. ومن ذلكم: أن الله جعل الشورى بين الصلاة والزكاة: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) فجعل الشورى بين الصلاة والزكاة لأهميتها بين الفرد والجماعة. والشورى لا تختص بالأمر العام فقط؛ بل هي شاملة لقضايا الأفراد في كل الأحوال ففي ميادين الشورى الاستشارة بالزواج، فإن الإقدام على الزواج أمر عظيم لأنه يختار شريكته في هذه الحياة لتكون عون له على أمور دينه ودنياه ولهذا شرع له أن يستخير الله في أي امرأة أراد خطبتها ثم يستشير ذو رأي وعلم ودين ومعرفة بأحوال الناس، هل هذه الفتاة وأهلها أهل تناسب في الغالب أم لا؟ ويستشير ذو خبرة وعلم وإخلاص، كذلك المرأة تستشير إذا تقدم إليها بخطبة ففاطمة بنت قيص أتت النبي صلى الله عليه وسلم تستشير وأنه تقدم لها معاوية بن أبي سفيان وأبو الجهم فقال صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو الجَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ انْكِحِى أُسَامَةَ بْنُ زَيْدٍ"، قالت فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتطبت به. ومن مجال الشورى: استشارة الرجل فتاته عند تقدم خاطب إليها، فيعرض عليها الخاطب وصفاته وأخلاقه، وحاله وكل ما يتعلق بذلك حتى تكون الفتاة على علم وبصيرة من الواقع، وكانوا في جاهليتهم لا يسمعون للفتاة صوتا ولا يصغون لها رأيا، وإنما كانت يفعل ما يشاء بحكم أبويته، فجاء الإسلام ينظم ذلك أحسن النظام فأرشد الأب إلى استشارة الفتاة عند تقدم الخطيب إليها، فقال صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلاَ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ"، قَالُوا وما أذْنُهَا قَالَ: "صمتها"، قالت عائشة أم المؤمنين يا رسول اتستأمر النساء في أبضاعهن قال: "نعم" قال: إذا البكرة تستحي قال: "سُكُوتُهَا إِذْنُ منها". ومن مجالات الاستشارة: استشارة الزوجين بعضهما ببعض فإن الرجل وإن كانت له ذو القوامة على المرأة، ولكن رب رأي من امرأة يجعل الله فيه خيرا كثيرا وبركة، هذه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد زوجة محمد صلى الله عليه وسلم تزوجها قبل الوحي، فلما جاءه الوحي في غار حراء وشاهد ما شاهد أتى مرعوبا خائفا إلى خديجة فأخبرها بما رأى وشاهد، فقالت له رضي الله عنها بحسن فطرتها السليمة وعقلها النير ورأيها الصائب: كلا لا يخزيك الله أبدا، إنك تقرى الضيف، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق، وأتت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل فطمنه وسكنه وفتح عليه من الرأي السديد وأخبره أن هذا مبدأ وحي أوحاه الله إليه فرضي الله عنها وأرضاها. ومن مجالات الشورى أيضا: استشارة الأب أبناءه فيما يتعلق بإدارة المنزل وشؤون الحياة وما يحصل من اختلاف بين الأبناء أحيانا فيستشيرهم من باب المحبة لهم، والثقة بهم والاطمئنان بهم وتقوية الروابط بينه وبينهم لاسيما ذو الرأي من أولاده الذين أصابت رأبهم وعلم وفكر ويستشيرهم في حياتهم وإخوانهم مع أبناءه وإخوانه وغيرهم. ومنها أيضا: استشارة الإخوان بعضهم بعض فيما يحدث من مشاكل حتى تصل الرحم وتبقى المودة والصلة بين الرحم، فإن في الاستشارة خيرا كثيران فرب رأي يعين على اجتماع الكلمة وتوحيد الصف وترابط الأسرة وعدم التشتت. ومن مجالات الشورى أيضا: الاستشارة في أمر تجاري، يستشير ذو الخبرة والسابقة العلم والتجارب عن هذه التجارة، هل هي سليمة أم لا؟ وهل المناسبة الدخول فيها أم لا؟ فيستشير من يعلم أمانته وصدقه وتحاربه حتى يكون أمره واضحا جليلا ; أمامه. ومنها أيضا: الاستشارة في أي مشروع طبي علمي اقتصادي فيستشير من يعلم أهليته لذلك عن هذا المشروع نجاحه من فشله، منافعه ومصالحه من عدمها حتى يكون على بصيرة من أمره. ومن مجالات الاستشارة أيضا: استشارة أهل الجيران بعضهم بعض وأهل الحي بعضهم بعض فيما يعرض من مشاكل بين الجيران ونحوه حتى يحل الأمر حلا نسبيا قبل أن يحتاج الترافع إلى الجهات المختصة. ومن مجالات الاستشارة: استشارة الموظفين في إدارتهم كيف ينفذوا الأعمال، يستشير الرئيس مما معه ويستشير بعضهم بعض في سبيل إنجاز الأعمال وإعطاء الحقوق وسير الأعمال على الوجه المطلوب الإنجاز مع استفاء الحقوق والسلامة من كل ما يخل بالعمل. ومن مجالات الاستشارة: عند نزول الكوارث والمصائب فرب رأي يغاب عن صاحبه فيستشير الآخرين كيف التخلص من هذه البلايا والمشاكل فلرب رأي يعين على تفريج هم وإزالة كرب. ومن مجالات الاستشارة: أن يستشير الطالب غيره من رجال التربية والتعليم في المجال الذي يريد التخصص فيه بعد خروجه من المرحلة الثانوية أن يستشير ما هي العلوم الذي يدخل فيها والتي تناسب قدرته وتتفق مع إمكانياته وقدرته وميوله الشخصية فيشير إليه بما يراه مناسبا لحاله، فإن من الناس من يميل إلى علم وفن من الفنون يكون رغبته فيه دون غيره فيشير إليه إلى ما يعلمه مناسبا لحاله. ومن مجالات الاستشارة: الفتوى في الدين، فإن أهل العلم يستشيرون بعضهم بعضا فيما يجد وينزل من نوازل يحتاجون إلى حل شرع فيها، إذ شريعة الإسلام كاملة في عقيدتها وفي نظمها وفي عباداتها: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، فالشريعة كاملة إنما تحتاج إلى فهم وإدراك فيستشير العلماء بعضهم بعضا فيما جد من مشاكل ونوازل ويستعينون بكل أهل الخبرة فيما يخص خبرتهم من الأمور الطبية أو الهندسية أو الاقتصادية أو العلوم النافعة لكي تكون الفتوى مبنية على علم واضح ومنهج قويم مستوفي التعاليم الشرعية والخبرات التي تعين على جلاء المهمة وبيان الحق. ومن مجلات الاستشارة: الأمور الدعوية، فإن الدعوة أمرها عظيم ومجالها واسع فيستشير من سبقه في هذه التجربة فإن الله يقول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) أي: على علم وحال بمن ادعوه فيستشير غيره كيف طريق الدعوة؟ وما حال المدعوين؟ وما هو المجال المناسب؟ وما هو الظرف المناسب؟ والأسلوب المناسب؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: "إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ" قال العلماء: أعلمه ليستعد المناظرة والمجادلة، فطالب الداعي إلى الله يستشير من سبقه في حال هذه الدعوة، وعن الزمن؟ وعن المدعوين؟ والأسلوب الذي يسلكه لأن هذا أمر لابد منه. ومن مجالات الاستشارة: الاستشارة في أمور الدولة العامة، فإن أمور العامة لا تدار إلا بالرأي والاستشارة والتعاون مع كل أهل فن، وكل علم في مجاله. فالأمة لا يتم نظامها إلا إذا كانت الاستشارة موجودة حقيقية ذو العلوم المختلفة، فكل أهل علم وفن يستشارون في تخصهم وفي مجال محيط عملهم، فإذا اجتمعت هذه الآراء وتكاتفت تلك الآراء خرج منها رأي سديد ومنطلق جيد يضمن الاستمرار ويبعد عن الفوضوية والاضطراب. أيها المسلمون، هذه مجالات الاستشارة في شريعة الإسلام عامة للجميع ليكون المجتمع قويا متينا متماسكا. أيها المسلم، والمستشار لابد أن يكون أميننا، فالمستشار مؤتمن فمن أمانته أن لا يشير بخلاف الواقع ولا يزين لمن استشاره أمرا يعلم أنه خلاف الحق والصواب، ومن ذلك أيضا: أن لا يتكلم إلا بعلم: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) فإذا ليس لك علم بذلك فأمسك عما لا تعلم، ومنها: أن لا يكتم أمرا ضروري وجوده، من كتم ذلك كان خائنا في استشارته، ومنها أيضا: أن يكتم سر المستشار ويكتم سره ولا يقول استشارني فاستشرته على ذلك فليكتم ذلك فإن هذا من أسباب الإخلاص، ومنها: أن المشورة مع الإخلاص والمتابعة عبادة لله جل وعلا يتقرب العبد إلى الله، فنرجوا من الله أن يوفق الجميع للتعاون على البر والتقوى وصدق الله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني إيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا، واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ; ; ; ; أما بعدُ: فيا أيُّها المسلمون، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، عباد الله، المشورة لها أثر عظيم في عبادة الحق ووضوح الأمر، الاستشارة فيها تأليف للقلوب، الاستشارة فيها منع تصرف الفردي والاستعجال في القضايا وحلها بلا دليل، فبالاستشارة التأني وتروين وإدراك لحقائق الأمور وانطلاق الرأي بعيدا عن الفردية والاستعجال وعدم الأناءة فإن الاستشارة تمنع هذا كله وتجعل الأمر يصدر عن بصيرة وعلم وروية فإن كل قرار اتخذ مبني على رأي صائب واستشارة ذو الخبرة في ذلك يكون هذا الأمر واضحا جليا. وعلى المستشار أن يتقي الله ولا يشير إلا بالحق ويكون واضحا صريحا يدافع عن الحق الذي يعتقده لا يجامل ولا يداري وإنما يبرأ ذمته لعلمه أن الله سائله عن هذا كله. أمة الإسلام، إن محمدا صلى الله عليه وسلم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يستشير أصحابه في القضايا العامة والخاصة، فمن ذلكم: يوم بدر لما أتى يوم بدر الحباب من المنذر يا رسول الله منزلك هذا رأي رأيته أو شرع ; من رب العالمين، قال الرسول: "ما الرأي"، قال: أن تجعل ماء خلف ظهرك وتغور كل المياه الذي حولك حتى لا يطعن العدو فيك، فقال: "هذا رأي حبابة" فأخذ به، ومنها: يوم الأحزاب في المدينة وأحاطوا بها وبلغت القلوب الحناجر أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفف على أهل المدينة فاستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة أن يعطي قبيلة غطفان شيئا من الثمار فينصرفوا فقالوا يا رسول الله: والله ما نرجوا من إنما نرجوا من الله النصر والتأيد، فوافقهما النبي على رأيهما ولم يعطهما شيئا، ومنها أيضا: أنه لما يوم الخندق قال سلمان الفارسي يا رسول الله: كنا في جاهليتنا إذا نزل العدو أحطنا حصوننا بخندق نمنع منه عدونا فأمر النبي بحفر الخندق شمال المدينة وشاركهم في حفره صلى الله عليه وسلم فكان رأيا سديدا ووقى الله المسلمين شر أعداءهم بسبب هذا الخندق، ويوم حديبية لما صده المشركون وتفق معهم على أن يعود في هذا العام ويرجع في العام القادم شق ذلك على الصحابة فتعاظموا ذلك وأنهم جاءوا معتمرين وهم على حق وهدى، ولكن لله الحكمة فيما قضاء وقدر فأمرهم أن يحلوا إحرامهم وينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم فأبوا لا عصيان ولكن شفقة على العمرة وحرصا عليها وعدم الخضوع لأملئ الكفار، أتى النبي إلى أم سلمة يشكوا إليها الحال، فقالت يا رسول الله: لا تلحق بهم المنامة فإنهم قوم جاءوا للعمرة وحال بينهم وبين عدوهم ولكن أخرج ودعو الحلاق وليحلق رأسك ونحر هديك ولا تكلم أحدا، فدعا الحلاق فحلق رأسه ثم قاموا رضي الله عنهم وأرضاهم يحلقوا بعضهم بعضا حتى كادوا يقتتلون حرصا على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا رأيا سديدا موفقا أقره النبي صلى الله عليه وسلم. فالمهم أن المشورة في كل الأمور مطلوبة من ذو الرأي والسداد ذكورا وإناثا، فعلى المستشير أن يسمع ويصغي ثم عليه أن يقيم الوضع تقيما صحيحا، فأمر للأمة أمر خطير للأمة وأمور العامة للأمة شديدة لابد فيها من استشارة دقيقة ورؤية وصدق لهجة المستشير، وعلى المستشار أن يكون أمينا يؤدي ما أوجب الله عليه نحو الأمة فإن مشورته بالأمر المهم فهي منفعة للحاضر والمستقبل، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ آمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللَّهمّ وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بن عبدالعزيز لكل خير، اللَّهمّ سدده في أقواله وأعماله وبارك له في عمره وعمله وألبسه ثوب الصحة والسلامة والعافية، اللَّهمّ شد عضده بولي عهده سلمان بن عبدالعزيز ووفق النائب الثاني لكل خير، وجعلهم قادة خير وهدى إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، اللَّهمَّ أجعل ما منحت به من هذا الغيث المبارك خيرا لنا في حياتنا كلها إنك على كل شيء قدير، اللَّهمَّ انزل فيه البركة إنك على كل شيء قدير فلك الحمد ولك الشكر ولك الثناء الحسن لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون. ; خطبة الجمعة 19-01-1435هـ.