الهجرة النبوية

خطبة لسماحة المفتي عبد العزيز آل الشيخ ; الخطبة الأولى : إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى. عباد الله، صحّ عن رسول الله أنه قال: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل". أيها المسلمون، شهر الله المحرم أحد الأشهر التي قال الله فيها: (إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمٰوٰت وَٱلأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة:36]، والأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، كانت أشهراً يحرم فيها القتال لتعظيمها، لعظيم أمرها، وكانوا في الجاهلية يحتالون على استباحتها، فإذا بدا لهم أمر، وأرادوا فعله في الشهر الحرام استباحوا الحرام، ونقلوه إلى شهر آخر، ولذا قال الله عنهم: (إِنَّمَا ٱلنَّسِىء زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيّنَ لَهُمْ سُوء أَعْمَـٰلِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ) [التوبة:37]. واليوم العاشر من محرم له شأنه العظيم، ولكن قبل ذلك شهر الله المحرم هو مبدأ التاريخ الهجري لأمة الإسلام، فإن المسلمين في عهد عمر رضي الله عنه فكروا بأي شيء يؤرخون كتبهم ويعرفون الأحوال، فاستشار عمر المسلمين في ذلك، فاتفق رأيهم على أن الشهر المحرم هو مبدأ العام الهجري، هجرةِ محمد؛ لأنهم رأوا أنه آخر أشهر الحرم، فابتدئوا به العام لينتهي العام بشهر حرام أيضاً وهو ذو الحجة. يوم عاشوراء، اليوم العاشر من هذا الشهر له شأنه، فهو يوم عظيم من أيام الله، إن الأنبياء كانت تصومه، ولكن صح عندنا صيام نبيين من أنبياء الله لهذا اليوم، فأولهما صيام موسى بن عمران كليم الرحمن بهذا اليوم، وثانيهما صيام سيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. موسى بن عمران كليم الرحمن أحد أولي العزم من الرسل، هذا النبي الكريم عظم الله ذكره في كتابه، فجاءت قصته في القرآن ما بين مبسوطة وما بين موجزة، وفي قصص الأنبياء عبرة للمعتبرين: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِى ٱلأْلبَـٰبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء) [يوسف:111]، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ) [يوسف:3]، (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود:49]. نبي الله موسى بن عمران قصته في القرآن عجيبة، ذلك النبي الكريم الذي اختاره الله لأن يبلغ ذلك الطاغية الذي ادعى أنه الرب الأعلى ليبلّغه رسالة الله إليه، ذكر الله قصته منذ وُلد إلى آخر قصته، وُلد هذا النبي الكريم في زمنٍ كان فرعون يقتل فيه الذكور من بني إسرائيل ويستبقي النساء، ولد هذا النبي في ذلك العام، فألهم الله أمه أن ترضعه وتلقيه في البحر إلى أن يصبح فوق النهر: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ) [طه:38، 39]. كانت ترضعه وتضعه في صندوق وتلقيه في اليم، تلقيه في البحر، ثم إذا احتاجت إليه جذبته إليها، لتتقي شر من يريد قتله، فشاءت إرادة الله أن يصل ذلك الصندوق الذي فيه هذا الرضيع إلى بيت آل فرعون، فجاء من يوُكلون بقتل الذكور ليقتلوه، ولكن أمر الله فوق كل شيء، (وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف:21]. فأوحى الله في قلب امرأة فرعون حبَّ ذلك الطفل، والشفقة والحنان عليه، وقالت مخاطبة لفرعون: (لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) [القصص:9]. جاء هذا الطفل الصغير الرضيع، يريدون من يرضعه، فجاؤوا له بجميع المرضعات، فلم يقبل ثدي أي امرأة منهن ولما أوقع الله حبّه في قلب امرأة فرعون، ضاقت ذرعاً بذلك الأمر، وأهمَّها الأمر، طفلٌ في بيتها لم يقبل ثدي أي امرأة كائنا من كان، ولكن لما لله من حكمة ولوعده الصادق الذي وعده أمه أن يرجعه إليها في أمن وأمان، بعثت أخته لتنظر ماذا حاله، وماذا انتهى إليه أمر هذا الطفل، قال الله عنها: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ) [القصص:10]. تلك محبة الأم لطفلها، فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ، من كبر المصاب الذي حلّ بها، قالت لأخته: قصيه، وتتبعي أثره، واستمعي حاله، فعسى أن تهتدي إليه: (فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) [القصص:11]. يبحثون له عن مرضعة في المدينة كلها، فقالت لهم: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ) [القصص:12]، نعم إنهم ناصحون له، وإنها أمه الشفيقة عليه، قال الله: (فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [القصص:13]. ترضعه على أنها مرضعة أجيرة، وهي أمه الشفيقة عليه، ومنذ أن التقم ثديها ارتضع رضاعاً جيداً، فأعطوا أمه أجرته، وأكرموها وهم لا يعلمون أنها أمه، ولله الحكمة فيما يقضي ويقدر. شاءت إرادة الله، ترعرع هذا الصبي في بيت آل فرعون، ولما لله من حكمة بالغة، وجرت أمور وأحوال حتى أرادوا قتل موسى فخرج فاراً منهم، وهداه الله إلى أهل مدين، وشاءت إرادة الله إلى أن كان ما كان، حتى أوحى الله إليه، ليبلغ رسالته لذلك الطاغية الذي يقول: أنا ربكم الأعلى، وأيده الله بأخيه هارون استجابة لدعاء موسى عليه السلام، فجاءا آل فرعون قائليْن: (إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ وَلاَ تُعَذّبْهُمْ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مّن رَّبّكَ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ) [طه:47]، والله أمرهما أن يقولا له قولاً ليناً، لعله يتذكر أو يخشى، فلما أبلغاه رسالات ربه، استهزأ بهما، وقال: (وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ) [الشعراء:23]، من رب العالمين؟! من باب الاستنكار والجحود، وإلا فهو يعلم في باطن أمره أن رب العالمين حق على الله: (وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ) [النمل:14]. دعاه إلى الله، وقال: (وَمَا رَبُّ ٱلْعَاٰلَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ) [الشعراء:25-27]، من باب السخرية والاستهزاء قَالَ: (رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) [الشعراء:28]. فعند ذلك لجأ إلى القوة قَالَ: (لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ) [الشعراء:29]، وقال: (إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء:27]، عند ذلك زاده موسى: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ) [الشعراء:30]، يدل على صدق ما جئت به، وأني رسول الله إليك حقاً، قال من باب الاستنكار: (فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ) [الشعراء:31]، وقد أعطى الله موسى آيتين دالتين على صدق رسالته كما قال: (ما بعث الله من نبي إلا آتاه من المعجزات ما على مثله آمن البشر، وإن الذي أوتيته وحي أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثر تابعاً). بيد موسى عصا ألقاها على فرعون فإذا هي بقدرة رب العالمين ثعبان مبين، كادت أن تلتهم فرعون وملأه: (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ) [الشعراء:33]، دالة على صدق رسالته، وعند ذلك مضى موسى بدعوته إلى الله، وقوته في الحق لما ظهر من صدقه وذل فرعون ومن معه، ولكن فرعون تمادى في طغيانه، واستعان بالسحرة، وأغراهم وأعطاهم ومنَّاهم إن هم هزموا موسى، وإن هم تغلبوا على موسى، لأنه يرى أن تلك العصا واليد سحر، وأن فرعون عنده من السحر ما يتغلب به على سحر موسى في ذلك، والتقوا واجتمعوا، وتواعدوا موعداً كما قال الله عنهم: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى) [طه:59]. فلما اجتمعوا: (فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ) [طه:67]، وجاء السحرة بقضهم وقضيضهم، وملؤوا الوادي عصيا وحِبالاً، يظنه من يراها حيات وأشياء كثيرة، وموسى وحده إنما يحمل عصاه التي بيده، والله يقول له: (لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأعْلَىٰ) [طه:68]. ألقى العصا التي معه، فالتقمت كل ما في الوادي، وظهر من عجائب قدرة الله العظيمة التي لا تقاوم ما أبهر السحرة وأيقنهم أنهم على باطل، وأن تلك معجزة ربانية، لا قدرة لهم بمقاومتها، فعند ذلك خرَّوا لله سجداً وقالوا: (آمَنَّا بِرَبّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ) [طه:70]. توعّدهم فرعون: (ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ فَلأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلأصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءنَا مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـاٰيَانا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [طه:71-73]. أصبحوا سحرة، وأمسوا كراماً بررة، ولأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، والسحر والشعوذة والباطل إذا قابلهم الحق فلن يستطيعوا لذلك سبيلاً. ; وما زال موسى في دعوته، ماض في سبيله، فلما أيس فرعون من أمره ورأى أنه لا سبيل له بمقاومة موسى ومجادلته، أراد أن يقهرهم بجنده، فخرج بمئات الآلاف تابعاً موسى وبني إسرائيل، فلما اقتربوا من البحر قالوا: يا موسى، البحر أمامنا وفرعون خلفنا، وأوحى الله إليه: أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ [الشعراء:63]، فسلك موسى ومن معه البحر في أمن واطمئنان، وأتبعهم فرعون سالكاً مسلكهم، فأغرق الله فرعون ومن معه، وأنجى موسى ومن معه، فعند ذلك صام نبي الله موسى يوم العاشر من محرم شكراً لله على نعمته وفضله بإنجائه وإغراق عدوه. ومحمد أمره الله أن يقتدي بمن مضى من قبله: (أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ) [الأنعام:90]. وكان هذا اليوم يصومه أهل الجاهلية في جاهليتهم، فكان محمد قبل البعثة يصومه مع قريش، وصامه في المدينة، فلما افترض عليه رمضان، لم يلزم الناس بصومه، وخيرهم بين صومه وفطره، لكنه صامه إلى أن لقي ربه. وكذا اليهود يصومون هذا اليوم، فسألهم فقالوا: يوم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى فنحن نصومه، فقال : "نحن أحق وأولى بموسى منكم". نعم، محمد وأمته أولى الناس بموسى، فهم آمنوا بجميع أنبياء الله: (إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران:68]. فصامه وأمر الناس بصيامه، من باب التطوع لا من باب الفرض، كان قبل أن يفرض رمضان أمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان صار من صامه فحسن، ومن لم يصمه فلا شيء عليه، لكنه رغّب في صيامه، فيروي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: ما رأيت النبي صام يوماً يتحرّى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وقال أبو قتادة: سمعت رسول الله يقول: "صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية". ورسول الله في آخر حياته لما أخبر أن اليهود والنصارى يصومونه قال: "لئن عشت إلى قابل إن شاء الله لأصومن التاسع"، ولكنه توفي قبل أن يصومه ، وقال للمسلمين: "صوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده، خالفوا اليهود". إذاً فالمسلم يصوم يوم العاشر، ويصوم يوماً قبل العاشر، أو يصوم يوماً بعد العاشر، وإن جمع الأيام الثلاثة كلها فحسن. فصيامنا لعاشوراء يكون يوم الثلاثاء التاسع من محرم، ويوم الأربعاء هو العاشر من محرم، لأن ذي الحجة استكمل بيوم الأحد فهو ثلاثون يوماً، وابتدأ شهر الله المحرم من يوم الاثنين فيوم الثلاثاء هو اليوم التاسع ويوم الأربعاء يوم العاشر، فالمسلم يصوم يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، أو يصوم يوم الأربعاء ويوم الخميس، وإن جمع الأيام كلها فحسن. فصيامه سنة، وكان المسلمون يصومُونه، ويُصوِّمونه صبيانهم، ويعطونهم اللعب من العهن، تسليةً لهم عن الفطر في ذلك اليوم. فصيامه سنة نبيكم محمد ، فصمه أخي المسلم، فهو قربة تتقرب بها إلى ربك. أسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، والعون على كل خير، إنه على كل شيء قدير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم. ; ;الخطبة الثانية: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله صحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى. عباد الله، كلما أرَّخ المسلم تاريخ يوم أو شهر، يقول: هذا [اليوم] العاشر من محرم من هجرة النبي ، فأشهرنا الهجرية تنسب إلى هجرة محمد ، تلك الهجرة العظيمة التي انتقل الإسلام فيها من حال إلى حال، ذلكم أن نبيّكم بُعث على رأس أربعين من عمره، فمكث بمكة قرابة ثلاث عشرة سنة، يدعو إلى الله وإلى دينه، صابراً محتسباً، واشتد عليه البلاء من قومه، وهمّوا وفكّروا في القضاء عليه لما رأوا أن دعوته قبلتها النفوس، وأن من سمع قوله تأثر به، ولما رأوا أن الأوس والخزرج قد بايعوه، وسينتقل إليهم، خافوا من ذلك وفكروا إما أن يقتلوه أو يخرجوه أو يقيّدوه، وكل مكرٍ باء بالفشل، واتفقوا على قتله وتآمروا، ولكن الله حال بينهم وبين ذلك، جاؤوا لبيته محيطين به، اتفقوا على أن يخرج إليه شباب من مجموعة قريش من بيوتهم، ليجهزوا عليه فيقتلوه، فبنو هاشم يقبلون بالدية، فاتفقوا ليلة على أن يقتلوه فخرج عليهم، وحثا التراب على رؤوسهم وهو يقول: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) [يس:9]. وتلك قدرة الله. أمره الله أن يهاجر إلى المدينة، بعدما انتشر الإسلام في أهلها، فهاجر وأصحابه إلى المدينة، تلك الهجرة انتقل الإسلام من حال إلى حال، كان بمكة النبي [مستضعفاً] خائفاً، وفي المدينة عزيزاً كريماً معظماً، انتقل إلى المدينة، لما أصبحت دار إسلام فصارت معقلاً لأهل الإسلام، وبقي فيها عشر سنوات، أكمل الله فيه الدين، وأتم به النعمة، وفرض عليه الفرائض، وأوجب عليه الواجبات تلك الهجرة التي انتقل فيها النبي وأصحابه من بلادهم وأموالهم وأهليهم طاعة لله: (لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـاٰدِقُونَ) [الحشر:8]. آخى النبي بين المهاجرين والأنصار، تلك الأخوة الصادقة المبنية على المحبة لله ورسوله: (هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال:62، 63]. ألف بينهم بالإسلام، فصاروا بالإسلام إخواناً متحابين متناصرين في ذات الله، مجاهدين في الله حق جهاده، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيراً. ولقد عاش المهاجرون والأنصار في غاية من التآلف والمحبة لهذا الدين ولمحمد ، ولما قسم النبي غنائم حنين، ولم يعط الأنصار شيئاً، كأنهم وجدوا في أنفسهم، وقالوا: يرحم الله رسول الله، لقد وجد أهله وقومه، فدعاهم وحدثهم وقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟!‍ ومتفرقين فألفكم الله بي؟! وعالةً فأغناكم الله بي؟!"، فكلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال: "أوجدتم عليَّ أن أعطيت قوماً أتألفهم في الإسلام؟! المحيا محياكم، والممات مماتكم"، فصلوات الله وسلامه عليه، تلك الهجرة الصادقة التي ألف الإيمان فيها بين أولئك القوم، وما كانوا في جاهليتهم يتعارفون إلا في ميدان الوغى، والبغضاء والعداوة سائدة بينهم، فجاء الله بالإسلام فجمع به القلوب، ووحّد به الصف، فصلوات الله وسلامه عليه أبداً دائماً إلى يوم الدين. واعلموا – رحمكم الله –، أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ... ; (خطبة لسماحة المفتي عبد العزيز آل الشيخ بعنوان: " الهجرة النبوية") ;