حسن الظن بالله عز وجل

الخطبة الأولى ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونستهديه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين، أمَّا بعد: فيا أيُّها الناسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، حسن الظن بالله عبادة قلبية جليلة ولا يتم إيمان عبدي حتى يحسن الظن بربه، وحسن الظن بالله مبنيٌ على كمال علم العبد وسعة رحمة الله وإحسانه وقدرته وكمال علمه وكمال التوكل عليه، وإذا قائم بالقلب هذا العلم أورد حسن الظن بالله يحصن الخير والفضل والجزاء العظيم من رب العالمين، وقد جاءت النصوص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحسن المسلم على حسن ظنه بربه يقول صلى الله عليه وسلم قال الله: "أنا عند حسن ظن عبدي بي و أنا معه حين يذكرني" ويقول صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ" ويقول صلى الله عليه وسلم: "حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ مِنْ حُسْنِ العِبَادَةِ". أيها المسلم، وحسن الظن بالله يتبين في أمور عدة فأولا: إن الله جلَّ وعلا وعد عباده المؤمنين بالثواب العظيم والعطاء الجزيل، فالمسلم يحسن الظن بربه بأن يحقق ما وعده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، اسمع الله يقول: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال جلَّ وعلا: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ*وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) وقال جلَّ وعلا: (لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ)، إذاً فالمؤمن الحق يعمل الصالحات ويحسن الظن بربه أن يحقق له ما وعده في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن حسن الطن بالله لاسيما في آخر حياتك، في آخر ساعة من الدنيا وأول ساعة من الآخرة، تحسن الظن بلقاء ربك، تحسن الظن بعفوه وكرمه وستره وجزاه العظيم، ورحمته التي وسعت كل شيء، فعند الاحتضار وقرب الرحيل من الدنيا يكون عند العبد حسن ظن بربه أنه سيلاقي ربه، أما أن ترضى الرحيل المحسن المتجاوز ذو الفضل والإحسان فيحب لقاء الله فيحب الله لقائه، فعاد النبي صلى الله عليه وسلم شاباً في مرض موته فَقَالَ: "ما تَجِدُكَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو اللَّهَ وأَخَافُ ذُنُوبِي. قَالَ صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ" ويقول صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ"، قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: ((انظروا إلى المريض في حال مرضه تفتح له باب الرجاء وحسن الظن بالله حتى يلقى الله وهو يحسن الظن بربه وفي الصحة والسلامة، حذروا من معاصي الله وبينوا له عقوبة المعاصي وأضرارها))، ومن حسن الظن بالله أن الله يكون العبد في حال مرضه تفتح له باب الرجاء وحسن الظن بالله حتى يلقى الله وهو يحسن الظن بربه وفي الصحة والسلامة، حذروا من معاصي الله وبينوا له عقوبة المعاصي وأضرارها، ومن حسن الظن بالله أن الله جلَّ وعلا يحفظ عليك أعمالك الصالحة يحفظ عليك ثوابها فلا تخشى نقصنا، لا تخشى أن ينقص من حسناتك ولا أن تحمل سيئات غيرك يقول الله جلَّ وعلا: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً)، حسناتك محفوظة لك جد واجتهد فهي محفوظة لك، لا تخشى عليها نقصان إن صدقة الله ولم تعطي للأعمال الصالحة للأعمال السيئة يقول الله جلَّ وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) وقال: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، ومن حسن ظنك بربك أن تحسن الظن به عند دعاءه ورجاءه فتدعوه وأنت موقن بالإجابة، تدعوه بقلب حاضر يقول صلى الله عليه وسلم: "ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فإَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبَ الدُعَاءً مِنْ قَلْبٍ لاَهٍ ساه"، أدعوا ربك وأنت موقن بأنه القادر على الإجابة القائل لك: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، وقوي يقينك بقوله جلَّ وعلا: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وقوي يقينك بقوله: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)، فدعوا وأنت موقن بالإجابة وأنه يراك ويرى مكانك ويسمع كلامك ويعلم سرك ونجواك، ومن حسن ظنك بربك أن تحسن الظن به إنك إن توبة إليه من سيئاتك وخطاياك فإنه سيقبل توبتك ويطل عثرتك ويستر عورتك ويقلب سيئاتك إلى حسنات: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وقال (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، وزيادةً على هذا تحول سيئاتك إلى حسنات: (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) هو يحب إنابتك ويحب توبتك وإنابتك ويمد يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويمد يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فلا إله إلا الله ما أعظم كرمه وجوده، وما أعظم فضله وإحسانه (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، تحسن الظن بربك عندما يحل بك المصائب وتحيط بك البلايا والمصائب، تحسن الظن بربك أنما جرى فمن حكمة الله وكمال عمله ورحمته وعدله، وإنما جرى خير لك في العاجل والآجل، لأنه أرحم بك من رحمة أمك الشفيقة بك فلا تيأس ولا تحزن؛ ولكن أبذل السبب المشروع وتحمل ذلك وطرق بابه ليلاً ونهارا (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما عرف أصواتهم بالدعاء: "أَيُّها النَّاسُ، إِربَعوا على أَنفُسِكم، فإنَّكْم لا تَدْعُونَ أصَمَّا، ولا غَائِبا، إن الذي تَدْعُوه سَمِيعا قريب، هو أَقْرَبُ إِلى أَحدكم من عُنُقِ راحلتِهِ" فمد الضراعة إليه فلا يكشف ضرك ولا يرفع بلاءك ولا يفرج همك ولا يقضي دينك ولا يُسر عسرتك إلا رب العالمين، إن التجأت إليه واضطرت بقلبك إليه (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ). أخي المسلم، إن حسن الظن بالله لابد أن يصوره المسلم على حقيقته؛ لأن البعض من الناس قد يسوء ظنه بربه في أموره فترى بعضهم إذا ضاق بهم الكروبات أساء الظن بربه وقال: أنا من سوء الحق، أنا من رديء الحظ، أنا مظلوم - والعياذ بالله- ما زين له الشيطان فينسب الظلم إلى الله والجلال والله منزه عن ذلك، إنما هي الجهالة وقلة الإيمان فأحسن الظن بربك وقوي الرجاء في ربك. أيها المسلم، إن حسن الطن بالله مرتبط بالأعمال الصالحة، فالمحسن الظن بالله هو المنيب إلى الله المقبل على طاعته المستمر بالأعمال الصالحة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، أما من أساء العمل وتجاوز الحدود وقع في المعاصي والبلايا فقد أساء الظن بربه، قال الحسن رحمه الله: (إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل)، فلنتقي الله في أنفسنا، ولنحسن الظن بربنا، ولنعمل ولنجتهد، فأعمالنا محفوظة لنا (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا واستغفرٌ الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ;أما بعدُ: فيا أيُّها الناس، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، عباد الله، جاء في الحديث إن الله جلَّ وعلا لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع فوق العرش "إِنَّ رَحْمَتِى سَبَقَتْ غَضَبِى" فرحمته سبقت غضبه، وحلمه توقع عقوبتهن فالعفو أحب من الانتقام جلَّ جلاله وتقدس أسمائه. أخي المسلم، أحسن الظن بربك وإياك أن تيأس من روحه أو تقنط من رحمته فلا يقنط إلا القوم الضالون، ولا ييأس من رحمة الله إلا الكافرون، مهما عظمت الذنوب وتنوعت وتعددت وكثرة وتعددت؛ فإنك عن تبت إلى ربك توبةً صادقة أقلعت عن الخطأ وندمت على ما مضى وعزمت على الاستقامة فإن الذنوب كلها ستذهب بلا شيء، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ منكَ وَلاَ أُبَالِى، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً". أيها المسلم، أحسن الظن بربك في دعاءك له، واعلم أن الله يسمع الدعاء ويجيب دعوة المضطر إذا دعاءه، لكنه جلَّ وعلا حكيم عليم رءوف بعبده رحيم به محسن إليه، فقد يجاب دعوتك بالحال، وقد تؤجل الدعوة إجابتها لخير لا تعلمه الله يعلمه، أنت لا تدري إلا ما قدمت والله يعلم ما وراء ذلك فقد يؤجر الإجابة لمصلحتك أولا ليقوى يقينك ويعظم ارتجاءك إلى ربك فهذا أعظم من دعوتك، وقد يؤجر في الآخرة أعظم من الدنيا وما عليها، وقد يصرف عنك سوءٌ وبلاءٌ أنت لا تتصوره، إذا فلست أنت أمناً في دعاءك حال تقضى، أو تؤجل لخير، أو تدخر في الآخرة، أو يصرف عنك سوء لا تعلمه أنت، إذا فألح بالدعاء وأحسن الظن بك وليكن قلبك متعلقا بربك حباً له وخوفاً منه ورجاءً لثوابه، هو ربك الذي خلقك وشق سمعك وبصرك، هو الذي مداك بالنعم ووجدك من العدم ورباك بالنعم تتقلب في نعمه كلها من وحيه، فلا تحزن ولا تيأس وألح في الدعاء فهو يسمع ويرى وله الحكمة فيما يقضي ويقدر. أيها المسلم، أحسن الظن بربك أن أعمالك الصالحة لن تذهب بل هي محفوظة لك اسمع الله يقول: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)، إذاً الأعمال محفوظة (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). أخي المسلم، أحسن الظن بربك في كل بلاء ينزل بك ومصائب تحيط بك فكن محسن في ربك أن لله حكمة في ذلك أرجو ربك وخذ بالأسباب السلامة والعافية. أيها المسلم، إن الله جلَّ وعلا وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إنهم نصروا دينه قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) وقال: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ*الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)، قد يكون عند البعض شيء من سوء الظن، لماذا المسلمون الآن في كل قطر يطاردون ويشردون وبلاد الإسلام تعج بالفتن والفوضى واختلاف القلوب واضطراب الأحوال، سفك للدماء وتدمير للممتلكات وإخلال بالمصالح العامة، وفوضى عارمة لا يدري القاتل فيما قَتَلَ ولا المقُتُول فيما قُتِلَ ولا يدري القاتل من يواجه، فتن ومصائب وبلايا واختلاف قلوب، نسأل الله السلامة والعافية، إن لله حكم فيما يقضي ويقدر وقوله حق ووعده صدق، لقد جرى على النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المصائب والعظات؛ لكن قوة الإيمان واليقين جاءت العاقبة للمتقين، يوم أحد كسرت رباعيته وشج رأسه وقتل عدد من أصحابه ولكن العاقبة للمتقين: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، أحاط الأحزاب في المدينة من العرب واليهود وغيرهم وساء ظن بعضهم بالله ولو أشد الكرب؛ ولكن الله هزمهم برحٍ أرسلها عليهم فرقت جمعهم وشتت شملهم ولم يمكنهم الله: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً)، ويوم الحديبية يصده المشركين عن بيت الله الحرام لما أراد العمرة وتعقد الهدنة في شروطٍ فيها إجحاف على المسلمين ظاهرا ولكن الله جلَّ وعلا بقدرته حولها إلى أن تكون سبباً لفتح مكة ودخولها في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعرض المسلمون في حملة التتار الغاشمة التي لم تبقي ولم تذر ولكن أعقبها خيرٌ للإسلام والمسلمين، والحروب الصليبية وما جرت بها من شر وبلاء وانتهت العاقبة للمتقين والله جلَّ وعلا يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) والعاقبة للمتقين لكن بالصبر واليقين تنال الإمامة بالدين. ; ; ; ; ; ; ; ; ; أيُّها المسلمون، إن المتبع لأحادث اليوم والسامع لأحداث اليوم في علمنا الإسلامي يزداد هماً وحزنا وإنه ليتألم يعتصر قلب المسلم ما يسمعه وما يشاهده مما تنقله الشاشات عن هذه الفتن العارمة والاضطرابات والانقسامات والبلايا العظيم الذي شق عصا الأمة وشتت شملها وفرق كلمتها، وتمكنت الغوغاء ومن لا رأي ولا أعقل عنده من زلزلة الأمور وتفريق الكلمة وشق عصا الطاعة والفرق بين أبناء المجتمع المسلم بوسائلهم المختلفة وآرائهم الضالة، كما لبسوا على الأمة أن أعمالهم إنما هي ديمقراطية وعدالة ونحو إنصاف ولكن تحول الأمر إلى ظلم وعدوان، وإلى انقسام وشقاق، وإلى اضطراب في الأمور، فنسأل الله شكر نعمته وحسن عبادته، ونسأله أن يمن على الأمة باليقظة من غلتها والإنابة إلى الله ومراجعة النفس ومحاسبة النفس، وأن يجعل في الأمة ذو عقل ورأي سديد يقودها للخير ويحملها على الخير، عن هذا الانقسام العظيم الذي أحدثه أعداء الإسلام لما عجزوا عن استعمال القوة أو الثقافة أرادوا إضعاف كيان الأمة وإتراعها وإذلالها وتماد اقتصادها وصناعتها وزراعتها وأعمالها إلى أن تعود فقيرة مستعصية ذليلة لغيرها ليتمكن الأعداء مما يردون؛ ولكن يأبى الله إلا أن ينصر دينه ويعلي كلمته؛ إنما على المسلم أن يستعين بالله ويحسن الظن بالله ويعلم أن ما أصاب الأمة فبالذنوب والمعاصي (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد امتثالاً لأمر ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك سيد ولد آدم، سيد الأولين والآخرين، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وجمع كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين، اللَّهمَّ أجمع كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنا في أوطاننا وأصلح وولاة أمرنا، وأصلح ولاة أمور المسلمين عامة، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، اللَّهمَّ سدده في أقواله وأعماله، وبارك له في عمره وعمله وألبسه ثوب السلامة والصحة والعافية، وجعله بركة على مجتمع المسلم إنك على كل شيء قدير، اللَّهمَّ وفق ولي عهده نايف بنَ عبدِ العزيزِ لكل خير، وأعنه على مسئوليته، وبارك له في عمره وعمله، ودله على ما تحب وترضى إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله،(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.