خطبة عرفة لعام 1432هـ

خطبة عرفة لعام 1432هـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها الناسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، وراقبُه في السر والنجوى، لتنالوا الصلاح والخير في الدنيا والنجاح والفلاح في العقبى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). أمة الإسلام، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيرا برسالة كافة إلى جميع الخلق لُيُخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور التوحيد والإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم والرشاد، ومن عبادة النفوس والشيطان إلى عبادة الملك الديان، ومن نزوات الشيطانية إلى سموم الأخلاق الإسلامية، ومن طغيان العقل والهوى إلى انضباط الشرع ووحي السماء، ومن التعلق بالدار الفانية إلى التعلق بالدار الباقية والنعيم في الدرجات العلى. أيها المسلمون، إن الله شرع دين الإسلام ليكون منهج حياة للبشرية يسيرون طبق أحكامه وتعليماته فما شأن من شئون الدنيا إلا وللإسلام فيه حكم وبيان ليحقق العباد الغاية التي لأجلها خلقوا (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، ولتستبيغ حياتهم كلها عقيدةً وعبادةً وسلوكاً وأقوال شخصيةً ومعاملات وأخلاق وسياسةٍ وتعليم إلى غير ذلك من صفة الإسلام (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لا شَرِيكَ لَهُ)، وقد رسم الإسلام هذا المنهج بأعظم بيان وأجدى عبارة فأقام أدلته ووضح معالمه وأرسى قواعده بلا شك ولا غموض (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) بين لهم أصول عقائدهم في الإيمان بالله وإخلاص التوحيد له وصرف كل العبادة له جلَّ وعلا، وأن هذه العبادة لا يستحقها سوى هو جلَّ وعلا لا يستحقها سواه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبيَّن لهم حقيقة التوحيد بأسماء الله وصفاته بأن تثبت لله الأسماء والصفات على ما يليق بجلال الله إثباتاً بلا تأويل ونفياً بلا تعطيل (كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، بيَّن لهم الإيمان بملائكته المقربين المبرأين من كل نقص لإرضاء البشرية (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)، وبيَّن لهم الإيمان بكتب الله التي أنزلها على أنبيائه ومنها التوراة والإنجيل والقرآن والزبور وصحف إبراهيم وموسى إلا أن القرآن الكريم أفضلها وأجمعها مهيمناً عليها كلها يحق الحق ويبطل الباطل (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)، والإيمان برسُلِ الله الذين اصطفاهم الله بهداية البشرية نؤمن بهم جميعا ولا نفرق بينهم وهم متفاوتون بالفضل وأفضلهم سيدهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فالإيمان به إيمان بجميع الرُّسُل والكفر به كفر بجميع الرُّسُل (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)الآية، والإيمان بقضاء الله وقدره وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن كل ما يجري فهو بإرادة الله الكونية موافق لما سطر في اللوح المحفوظ وما كان بالأجل لا يئن في شيء من ذلك لا من شئون الكون ولا من أحداث البشر، وأن الله أعطى العبد إرادة واختيار بلا إجبار يختار فيها من يشاء فإن اختار الخير جزيء به وإن اختار غير ذلك عقب عليه (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه)، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، ويؤمن العبد بأنه ليس قادر أن يكون دائما في هذه الدنيا بل سيرحل عنها إلى القبر فإما نعيم وإما عذاب وبعد ذلك البعث والنشور والكتب وميزان الأعمال وعند ذلك ينال المؤمنون فضل الله في الدرجات النعيم وينال غيرهم من الكفار العذاب الأليم (وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ*وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ)، بيَّن الله للعباد ما يقربهم إليه ويقوي صلتهم به فشرع لهم من أنواع العبادة المتعدية من الصلاة والزكاة والصوم والحج والأذكار وغير ذلك ليكون العبد دائما صلة بربه ليحقق سموا روحيا وحياة كريمة وتزكيةً للنفس وسعادةً في الآخرة. أيها المسلمون، أوضح الإسلام للأمة قواعد التي تقوم عليه الأسرة، وأن الأسرة هي الخلية الأولى لبناء المجتمع، وبين مقتضى ما بين الزوجين بالزواج المشروع وما لكل من الزوجين من واجب وما عليه من حق، ودعاءهم إلى تربية الأولاد تربيةً إيمانية لينشئ جيل صالح في نفسه نافعاً لأمته أفراده لبناة صالحة لبناء مجتمع صالح، وبين حقوق الآباء من البذل والإحسان (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وحق الأبناء في التربية والتوجيه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً)، وبيَّن حق الرحم في الصلة والمودة لتكون الأسرة أسرةً قويةً متماسكة بعيد عن التمزق والتشتت. أيُّها المسلمون، وأضح الإسلام للمجتمع قواعد العلاقة الاجتماعية وأنها أقامها على الإيمان والأخوة الإيمانية (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، ودعا المؤمنين بالتناصر والتآلف بينهم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كمَثَلُ الْجَسَدِ الواحدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَر"، وحثهم على أن يحفظ كل منهم كرامة أخيه ويبعد عن أهانته والسعي في مساعدته: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً من كربِ الدنيا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، بيَّن لهم أصول التعامل التجاري والمالي، فبيَّن العقود المباحة والمحرمة أباح البيع وحرم الربا وأمر بالوفاء بالعقود وأداء الأمانة والنصح والصدق في البيع والشراء والبعد عن التدليس والغش والخداع والجهالة والغضب، بيَّن لهم تعالى الحلال والحرام من مطعوم ومشروب فأباح الطيبات مما يؤكل ويشرب إذا لم يكن شربٌ ولا تبذير، حرم عليهم الميتة ولحم الخنزير والمسكرات والمخدرات وكل ما يهدد صحة الإنسان وكل ما يهدد حياة الإنسان، أرشدهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات بالصدق والإخلاص والبر والإحسان والعدل والصفح والحلم والكرام والجود، وحرم عليهم الخصال الذميمة من غيبة ونميمة وقذف وسخرية واستهزئ وسوء ظن بالمسلمين، حرم عليهم الفواحش صغيرها وكبيرها وكل ما يؤدي إليها، فحرم الزنا وما يقرب إليه من خلوة بلا محرم، من خلوة بالأجنبية أو سفر بلا محرم أو علاقة جنسية تخاف الشرع، كما حرم عليه السرقة والقتل والعدوان والظلم على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، شرع لهم عقوبات شرعية لمن سلك طريق الإجرام وانتهك الحدود والمحرمات ليكون عقوبةً لمن وقع فيها وعبرة لمن لم يقع فيها فشرع القصاص في قتل العدوان (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، شرع حد الزنا المحصن وغير المحصن وحد القذف وحد القتل وحد شرب الخمر وحد الطغاة والمفسدين وقطاع الطرق، وأرشد العدل والإنصاف في استيفاء الحقوق وأداء كل حقه، فنهى عن الحد في القضاء وأن يمال القاضي مع أحد الخصمين لقرابة أو لهواه (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، بيَّن لهم أن ولاية بين المسلمين قائمة على العقيدة ; الإسلامية لا على الوطنية والقبيلة والجنس، بيَّن لهم حقوق الحاكم على رعيته من وجوب طاعة ولي الأمر فيما أمر به ونهى عنه ما لم يأمر بمعصية أو ينهى عن خير، وحثهم على عدم منازعة الحاكم، وأرشدهم على الوقوف معه في كل الشدائد والتعاون معه فيما يحفظ قدرات الأمة ومكاسبها، وحث الحاكم على العدل في رعيته وتحقيق الحياة الكريمة لهم والرفق والشفقة والعدل بينهم وعدم ظلمهم وعدم المحاباة بينهم، حث المجتمع المسلم على التعاون والتآلف وحذرهم من النزاع وأمرهم باجتماع الكلمة (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، أمرهم بتحكيم الشرع في كل شئون حياتهم الفردية والجماعية لتكون حياة الأمة محكومة بما شرع الله من أحكام وما وضع من قواعد وضوابط وما شرع من شرائع وحدود وما أرشد من أخلاق وفضائل، أرشد ; إلى النهوض بالأمة علميا واقتصاديا وزراعيا وصناعية وأرشد إلى دخل في كل سبب في التقدم والرقي ما لم يخالف الإسلام عليه، هذا شرع الله منهج متكامل في الحياة جاء لإسعاد البشرية والتوافق بين الروح والمادة، وربط بين العقل والوحي، وبين العلم والدين وبين العقيدة والشريعة وبين العبادة والاقتصاد والأخلاق وبين الدنيا والآخرة (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا). أيُّها المسلمون، إن هذا المجتمع الذي أقامه الإسلام على منهج رباني له خصائص تميزه عن كل مجتمع لا يدين في دين الإسلام، فمن خصائص هذا المجتمع شيوع الأمن والطمأنينة فيه وذلك بوقوف رادع إيماني في قلب المسلم يمنعه من الجريمة لأن دين الإسلام يُرشد أتباعه إلى احترام الدماء واحترام الأموال واحترام الأعراض يبتعد عنها يدين الله به، أما القوانين البشرية فإنها وإن قوية فما تفلت منها انقضاء على كل جريمة من غير خجل ولا حياء، ومن خصائص هذه الشريعة أيضا حفظ الحقوق العامة لكل الخلق، حفظ حقوق الآباء في البر والإحسان، وحقوق الأبناء في التوجيه والإرشاد، وحقوق الأقارب في الصلة والمودة، وحق الكبير في الإكرام ; والاحترام، وحق الصغير واليتيم في الشفقة والحنان، وحق المرأة بالإكرام، وحق الجار بالمعاملة الطيبة وحق غير المسلمين أيضا من معاهدين ومستأمنين (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا)، مجتمع شعائر الإسلام فيه ظاهرة من آذان وصلاة وصوم وزكاة وحج وأخلاق إسلامية يطبقها المسلم في حياته كلها فليس هناك شعائر مخفية ولا فرائض وأحكام مستترة، ولكن هذا بخلاف أئمة الضلال الذين يتسترون على عقائدهم وأخفوا مبادئهم وأظهروا خلاف ما يعتقدون، من خصائص هذه الشريعة أنها مجتمع أخلاقي ينبذ الرذيلة ويدعوا إلى الحجاب والستر والعفاف، من خصائص هذا المجتمع المسلم أنه مجتمع متعاون أفرداه متعاونون على البر والتقوى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، من خصائصه الربط بين جميع أفراده برابطة الإيمان، أخاء الإسلام بين المسلمين على اختلاف الألوان والأجناس والقبائل ولكنه أخاء بينهم بهذا الدين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، من خصائصه أن الكرامة فيه إنما هي التقوى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" لا لجاهين ومال ومنصب ولكن التقوى يكرم ويسعد بها الإنسان، من خصائصه الالتحام بين الراعي والرعية، فالراعي يلتحم في شكاوي رعيته ويسعى في حل مشاكلهم وتضميد جراحهم ومساعدة محتاجهم، والرعية يقام بمثل ذلك بمحبة راعيهم والدعاء له والوقوف معه في كل الأحوال كذا يريد المسلم من المجتمع المسلم، من خصائص هذا المجتمع المسلم أنه مجتمع تتكامل جميع مؤسساته كاملة شرعيةً تعليميةً ثقافيةً اقتصاديةً قضائيةً أمنيةً الكل في خدمة الدين والحفاظ على هويته ومنعه من التميع والتغرير. أيها المسلمون، من خصائص هذا الدين أنه مجتمع رباني، فالإسلام ينظم شئونه العامة اقتصادية فحياة المجتمع مرتبط بهذا الدين لا بأهواء الناس وأرائهم وما يهون وما يحبون، من خصائص هذا الدين أن القيم والأخلاق المعنوية مقدرة على المصالح المادية، فالمصالح المادية مهما تنوعت أجزائها لابد من قبولها أن لا تخالف قواعد الشرع وقيمه وأخلاقه، من خصائص هذه الشريعة أنه مجتمع دينيين ومدنين في آن واحد فلا يفرق بين الجنسين، فالمؤمن يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويذكر الله تراه في متجره تراه في مركزه التحصيل اقتصاديا شراعياً طبياً صناعيا تراه دائما في كل شؤون الحياة فدينه يدعوه إلى ذلك أن يكون المؤمن صالحا نافعا لمجتمعه قائما بما طلبا منه هكذا المسلم، أيها الأخوة، فإنه مجتمع مدني وديني في آن واحد. أيها المسلمون، هذه الخصائص والمميزات في هذا المجتمع إنما تؤثر إذا تكافل بجميع أجزائها ولا تتكافل إلا إذا أداء كل فرد منا واجبه الديني ومسئوليته الاجتماعية وأمانته الوظيفية، فالأب يؤدي واجبه نحو أبناءه تربية وتوجيها، والمعلم يعلم تلاميذه ويغرس فيهم حب الخير ويعلمهم العلوم النافعة والطريقة المستقيمة، المفتون ودعاة الخير يفتون الناس في أمور دينهم ويحلون قضاياهم ويجبون عن مشاكلهم ونوادرهم بما يروا في الكتاب والسنة وقواعد الشرع العامة، الوعاظ والدعاة إلى الله يدعون إلى البر والتقوى ويحذروا من السوء ويربطون الأمة بقيادتهم علماء وقادة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ورجال الحسبة يقومون بواجبهم بتوجيه المجتمع وإصلاح الأخطاء والأخذ بيد المخطئ وتوجيه بحكمة وموعظة حسنة وطريقة سليمة إقناعاً له ليبتعد عن الشر عن قناعة وعلم بأن هذا ضرر وأذى، الإعلاميون يقومون بواجبهم خدمةً لدينهم وقضايا أمتهم وينشرون ما فيه الخير للخلق في دينهم ودنياهم مع الالتزام بالصدق والدقة في الأحداث والأخبار، رجال الأموال ينفقون في أموالهم ما فيه صلاح الأمة ويوظفون أموالهم بما يسعد الأمة في حاضرها ومستقبلها، رجال الاقتصاد مهمتهم الارتقاء بالأمة اقتصاديا وإبعادهم عن الربا والنهوض بها علميا وصناعيا وزراعيا وطبيا، رجال السياسة يجيرون بالمجتمع المسلم ليكون أقرب إلى الصواب والحق من علاقات خارجية يقيمون علاقة ودية وتعاون فيما يصلح الأمة ويدفع عنها البلاء والشر، رجال الأمن يقومون بواجبهم بحفظ الأمن والأخذ على يد المجرمين والمفسدين والعابثين بأمن الأمة وحميتها من الثغور، رجال القضاء يقومون قضاء العدل والإنصاف في رد الحقوق إلى أهلها، المنفذون لأمور الدولة ما يضعون من لوائح وقرارات تكون مناسبة توافق شرع الله وتقتضي مع شيء من تعاليم الإسلام، الموظفون الحكومية يؤدون واجبهم الوظيفي عن صدق وأمانة مع البعد عن المنة والرشوة، الدبلوماسي المسلم يقوم بتنفيذ حقيقة لبلاده وليحمل رسالة صادقة عن أمته ودينه ويتحلى بالأخلاق الفاضلة ويدافع عن قضايا دينه. أمة الإسلام، يمر عالمنا الإسلامي اليوم بمراحل من أقصى مراحله في حياته ويواجه ظروف وتحديات صعبة ويعاني من انقسام وتفكك بين أبناءه ونزاع بينهم وهجوم شرس من أعداءه وتدخل سافه في شئونه، وما يحدث للمسلم ما يشاهده من هذه الفوضويات والبلاء التي أداة إلى انعدام الأمن واختلال النظام وتعثر الحياة اليومية ومصالح الأمة وما حصل من تدمير للأموال ونهب للممتلكات وسفك الدماء البريئة حتى رافق بعض الإسلام ديارهم فراراً من تلك الفتن والمصائب، إنما يغض مضاجع العبد المسلم الذي يحمل غيرةً على عقيدته وشفقةً على أمته ورحمةً بهذه الدماء تسفك بغير حق، ولنا في الأحداث الأليمة المحزنة وقفات لنتوجه بها إلى المعالم للخروج من هذه الأزمات والتحديات العظيمة، فأولا لا يخفى على المسلم أن سر قوة الأمة المسلمة وصمام أمامها تمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، فكلما تمسك الأمة بدين ربها كانت قوية عزيزة ثابتاً مجتمعة يهبونها أعداءها ويحسبون لها حسابها، وكلما تخلت الأمة عن دينها وانغمست بالشهوات والأهواء، كلما ضعف شأنها ونقسم أبنائها وتكايل الأعداء عليها وهي في عيون أعداءها وهذا يردون أعداءها، الإسلام يرفض التخريب والإرهاب والإخلال بالأمن وسفك الدماء ونهب الأموال وهتك الأعراض، الإسلام هو الحق، القادر على تلبية حاجة الأمة وتحقيق مطالب أبناءها بوجود مجتمع تسوده العدالة وتتكاثر فيها فرص الحياة الكريمة وتحقيق المواطنة العادلة وحفظ الحقوق، الإسلام هو الخيار وحده فأي شعار جاهلي أو دعوة إلى غير الإسلام فدعوة مردودة، على المسلمين جميعاً أن يتقوا الله في أنفسهم ويسعوا في حل مشاكلهم من غير تدخل من أعدائهم والحذر من فتنة الطائفية أو المحدث الإسلامية، على علماء الأمة أن يقوموا بواجبهم المأمول من حرص على حماية المجتمع المسلم وتقديم القرار وبرامج واقعية لحل مشاكل الأمة وتجنبيها من الفتن والمصائب. أيُّها المسلمون، علاقات الشعوب الإسلامية على إقامة العدل ومحاربة الفساد مصالح الشعوب في أولياتهم من مهماتهم، وعلى الرعية يلتفوا حول قادتهم ويسعوا في حل المشاكل بالطرق السلمية بعيدا عن هذه الفوضى وسفك الدماء وتدمير البلاد. أيها المسلم، إذا تأملنا واقع هذا البلد حينما نرى اهتمام القادة بالشعب وإنفاق الغالي والنفيس في سبيل راحة الأمة وسلامتها وتجنيبها الفتن، ثم ما نشاهده أيضاً من التحام الرعية مع رعيتهم والعلاقة القوية بين الراعي والرعية وما أسفر ذلك من أمنٍ واستقرار وثبات نعلم أن هذا نموذج حق يجب أن تقتضي بها الدول التي تعان من هذه الظروف الحرجة لتعلم أن الإسلام هو الذي يصلح لحل هذه المشاكل لما فيه من التوازن بين الأطراف كلها. أمة الإسلام، إن ممن يصيب القلق الشديد هذا الغزو الإعلامي الثقافي المنظم الذي يرمي إلى أضعاف العقيدة والإيمان في قلوب الناشئة وتميع أخلاقهم وإضعاف شخصياتهم لقد ترك هذا الغزو آثره السيئ على الشباب والناشئة فأضعف شخصيتهم الإسلامية مجال الاحترام والتقدير عند بعضهم قلدوهم ليس بالظاهر فقط ولكن في تميع السلوك وتميع الأخلاق ونبذ الحياء ونشر الرذيلة. أيها المسلم، إن هذا الغزو المنظم يحتاج أن يقابل بإعلام جيد يكافح هذا الغزو المنظم بقنوات إسلامية يقوم عليها طاقم إعلامي جمع بين الشرع وفقه للواقع وصناعة إعلامية لتوصل كلمة الحق إلى الجميع. أيها المسلمون، إننا في عهد العولمة الذي يفرض القوي ثقافته على الضعيف ويسعى في طمس هويته، فالواجب على المسلمين المحافظة على هويتهم المسلمة والثبات على مبادئهم ومسلماتهم عقيدة وشريعة وأخلاق مما دل الكتاب والسنة عليه سوا كان يتعلق في العقيدة أو بالعبادة أو بتحكيم الشريعة أو بالحلال والحرام أو بنظام الأسرة وشأن المرأة أو بالأخلاق والقيم يجب أن نحافظ على هذه محافظة عظيمة وأن لا نتنازل شيء منها تحت ظرف من الظروف، خير مطلب لهذا إيجاد ميثاق بين أمة المسلمين يتفقون فيها على تلك المبادئ لتكون أرضية مناسبة للتعامل مع الأمم والمنظمات والمواثيق الدولية في التعاون على أمر مشترك نافع مع التحفظ على القيم الإسلامية على ثوابت الإسلام وقيمه. أيها المسلم، إن الفهم الصحيح للإسلام في صورته الناصعة وشموليته هي السلفية الحق التي كان عليها أصحاب رسول الله والتابعون لهم بإحسان وسار عليه أتباعهم الأئمة الأربعة ومن بعدهم، هذه السلفية لها في الإسلام معالم فمن معالمها أنه ميثاق قويم والصراط المستقيم الذي أُمرنا به (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ)، ومن معالمه أيضا أن الكتاب والسنة مصدر التشريع والعلم والمعرفة، وأن السلفية ذات... تأخذ من قدسية الكتاب والسنة وتأويلهما وتحريفهما لأن يوافق عقل البشر، ومن معالم السلفية الصالحة أنها لا ترى عصمة لأي أحد من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما بلغ من الزهد والتقى والورع فالعصمة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن معالم السلفية أيضا أن التوحيد هو أهم الأمور فالبداءة به والدعوة إليه من أهم الواجبات لأجله خلق الله الخلق ولأجله انزل الكتب ولأجله أرسل الرسل فليس عند السلفية خزعبلات وخرافات وتعلق بالضرائح والشياطين والسحرة، من معالم السلفية الصالحة اعتمادها للصحابة في النصوص لعلمهم مأخذين بذلك من رسول الله مع سلامة معتقدهم واستقامة لغتهم. أيها المسلمون، من معالم السلفية أيضا الفهم الشامل للإسلام وأن متواتر كاملة عقيدةً وعبادةً وتشريعاً وقيماً وأخلاقاً وتربية سياسيةٍ واقتصاديةٍ وأخلاقية واجتماعية فالسلفية حركة متجددة تواكب العصر ذاته فمن زعم أن السلفية جامدة لا تملك هوية عن الحياة ولا منهج إصلاح المجتمع ولا تملك برنامجاً لإصلاح الناس ولا منهج لإقامة دولة للمجتمع فقد أخطأ في هذا التصور، وخير دليل على ذلك الملك عبدالعزيز غفر الله له لما فتح الدولة السعودية الجديدة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم امتداداً للسلفية الصالحة التي قام بها الإمامان محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود رحمهما الله أقام هذه الدولة وأرسى قواعدها على أسس الكتاب والسنة وعلى مبادئ ناصعة وعلى منهج سلفِ صالح أثمرت أمنا والاستقرار والطمأنينة مع الأخذ بالعصر وتطوراته في كل المجالات حتى أصبحت دولة يشار إليها بالبنان مع تقدمها وتحضرها من رقي مع التحفظ والتمسك بهذه العقيدة السلفية الصالحة. أيها المسلمون، إن هناك دعوات تجري في بعض الدول الإسلامية تنادي بالحرية بالعدالة بالمساواة تحت منظمة الديمقراطية نقول لهؤلاء إن الإسلام سبق تلك المبادئ كلها من أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن وطبقها في أرض الواقع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ولكن مفهومها في الإسلام خير مفهومها في النظم البشرية، فالحرية في الإسلام تحرير العبد من عبادة البشر ومن عبادة الأشجار والقبور ومن عبادة الهوى والشهوات إلى أن يكون عباداً صالحاً، فالإسلام لا يقر بغير دين الإسلام ولا يخاوي بين الحق والباطل ولا اجتماع الصلاح والفساد ولا الخير والشر، يحرم السفور والتبرج والعري والإباحية، الإسلام يدعو إلى العدالة، والعدالة في الإسلام جاء بها القرآن (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) والعدل في الإسلام واسع العبد مع ربه وتعامله مع نفسه وتعامله مع مجتمعه، والعدل في الإسلام لا يتحقق إلا بتطبيق شرع الله وتطبيق حدوده في القليل والكثير. أيها المسلمون، لابد للمسلم أن يتأمل حقيقة دينه وأن يعلم أن هذا الدين دين كامل، وكذلك المساواة ساوى الإسلام بين البشر كلهم من غير تفريق قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى) وقال صلى الله عليه وسلم: "النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ" ساوى بين البشر ساوى بين الذكر والأنثى في الكرامة الإنسانية والحياة الكريمة والتكاليف الشرعية والعقوبات الأخروية إلا أنه يرى أن لكل من الرجل والمرأة خصوصية في بعض الأحكام مراعاة للضعف الخلقي والاجتماعي والنفسي وقد أعطاء المرأة حقها وأنزلها منزلة يليق بها وحمها من ظلم الجاهلية، هذا دينكم فاستثبتوا به وثقوا به وتمسكوا به واعلموا أنه جمع لكم خيري الدنيا والآخرة، وأنكم في غناً به عن ما سواه من أنظمة البشر. أيها المسلمون، يا من جمعكم الله في أخوة الإسلام، ورابطة الإيمان اتقوا الله في أنفسكم واحذروا مكايد أعداءكم المندسين بينكم الذين يريدون فرقتكم وإشعال الفتنة والعداوة بينكم وبين قادتكم فتقوا الله في أنفسكم واحترموا الدماء والأموال والأعراض أجعلوا المصالح للأمة فوق كل اعتبار وتناسوا لأجلها أي خلاف فكري ورأي لأجل الإسلام، اسعوا في حل مشاكلكم بالعقل والحكمة لا لسفك الدماء وتدمير الممتلكات. أيها القادة، اتقوا الله في شعوبكم وعالجوا قضاياهم الاجتماعية من الفقر والجهل والبطالة والحرمان وإياكم وإضعافهم إياكم أن تضعفوهم أو توجهوا الأسلحة الذي ادخرتموها لعدوكم في وجههم إياكم وأن تصرفوا في وجههم طريقة التحقير والحرمان والتجويع لأجل إسكات كلمتهم فهذا أمر باطل لا يقهره مسلم أمر باطل لا يرضه الله جل وعلا. يا ملاك القنوات الفضائية، اتقوا الله في أنفسكم واعلموا أن مسئوليتكم نحو دينكم ونحو مجتمعكم مسئولية جسيمة فاحرصوا على أن تكون قنواتكم جامعة لكلمة الأمة محذرةً لها من النبذ والافتراق احذروا من سخرها فتشتيت الأمة والدعوة إلى الفوضى وسفك الدماء وتدمير الممتلكات. يا صانع القرار في المحافل الدولية ومناصب الدولية، اعلموا لا يخفى عليكم أن من خواص المسلمين تمسكهم بدينهم وثباتهم عليه واعتزازهم به، فكونوا على حذر من صنع أي قانون يخالف شرع الله أن لا يكون مؤذي للأمة وأن لا يمارس عليها ضغوط لأجل قبول هذه الآراء التي تخالف دينها وعقيدتها، ففي هذا أمور فوائد أولا: احترام الشعوب الإسلامية في الثبات على دينها ليتحقق سلم الأمان العادل، ثانيا: اكتساب هذه الدول ثقة المسلمين وانظر فيها إيجابياً والتعامل معها فيما يسعد الأمة مع الحفظ ما يخالف شرع الله. حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله على نعمته أن أوصلكم إلى هذه البلاد المقدسة فأتيتموها ووجدتموها أمن وأمانا فحمدوا الله على هذه النعمة احرصوا بارك الله فيكم على أن تؤدوا هذه الشعيرة بصدق وإخلاص متبعين كتاب ربكم وهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم انظروا بأعين بصيرة ما وقف الله هذه البلاد من هذا الأمن وهذا الاستقرار والارتباط بين الراعي والرعية، ثم انظروا ما قدم للحجاج من تسهيلات من توسعة في الحرمين والمشاعر والخدمات المتنوعة المقدمة لهم كل هذا بفضل الله ثم باهتمام قادة هذه البلاد وفقهم الله لما يحبه ويرضاه، إن هناك مندسين بين الأمة يردون إفسادها بالحج والشغب والبلاء فكونوا يدا ساهرة وأعين ساهرة ويدا واحدة وسداً منياع أمام المفسدين. أيها المسلمون، إن الحج في الإسلام لم يأتي للمهاترات والمساومات والشعارات الجاهلية والأغراض الشخصية ولا لغرض سياسية ولا مبادئ بغيضة إنما جاء لعبادة الله جلَّ وعلا والتقرب إليه وجمع الكلمة وتأليف الصف ; وحدة الأمة المسلمة، فاحذروا مكايد الأعداء لم يأتي الحج لأن يكون منبراً سياسيا ومنبراً للمهاترات فكل هذا مما يأبه الإسلام، فتقوا الله في أنفسكم. عباد الله، أشكروا الله على هذه النعمة وأدعو لولاة هذه البلاد بالتوفيق والسداد كم بذلوا من إحسان؟ كم بذلوا من جهود؟ وأمنوا السبل وبذلوا كل الخدمات في سبيل راحة الحجاج. حجاج بيت الله الحرام، أنتم في يوم من أفضل الأيام (يوم عرفة) ذلك اليوم العظيم الذي أكمل الله به الدين وأتم به النعمة ورضي لنا الإسلام دينا (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً) هذا يوم عرفة "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ" وخير ما قال النبيون من قبلي يوم عرفة كما قال صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي يوم عرفة لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ"، هذا يوم ما رويا الشيطان في أحقر ولا أصغر ولا أدحر مما رويا فيه يوم عرفة، هذا يوم ينزل الله فيه إلى سماءه الدنيا فيباهي أهل السماء: "انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا، ضَاحِينَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمُ"، هذا يوم عظيم قفوا بارك الله فيكم إلى أن تغرب الشمس "وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ" وتحروا حدودها وعلامها، وكونوا في هذا اليوم مخلصين لله متضرعين بين يديه راجين من رحمته خائفين من عقابه، تقربوا إلى الله بذكره ودعاءه والتضرع بين يديه فإنه قريب مجيب، قفوا بعرفة إلى غروب الشمس وصلوا في عرفة الظهر والعصر جمعاً وقصرا كما سنفعل إن شاء الله، انصرفوا منها بعد غروب الشمس ولا تنصرفوا قبله أتوا مزدلفة وصلوا بها المغرب والعشاء جمعاً وقصرا عندما وصلتم إليها وبيتوا بها ولكم الإنصاف من نصف الليل والأفضل للقادر أن يبقى حتى يصلي فيها الفجر ثم ينصرف منها، انصرفوا إلى منى ورموا جمرة العقبة ثم أحلقوا أو قصروا وقد حلل كل شيء ما عدا النساء وإن طفتم في البيت وسعيتم بين الصفا والمروة فقد حل كل شيء حرم عليكم حتى النساء، ثم ارموا الجمار في الأيام الثلاثة بعد الزوال في اليوم الاثنين والثلاثاء لمن تعجل، ويوم الأربعاء لمن تأخر ثم ودعوا البيت وارجوا بسلام وأمان. عباد الله، عن الموت نهاية كل حي: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ*وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فبموت الإنسان ينقطع أعماله ويحصل الجزاء والحساب، تذكر أخي المسلم ساعة الاحتضار ومفارقتك للدنيا: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، تذكر أخي القبر وظلمته وأنه إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، تذكر أخي الوقوف بين يدي الله في ذلك الموقف العظيم والهون الشديد: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) يوم نقف بين يدي الله عارية أبداننا حافية أقدامنا شاخصة أبصارنا، تذكر ذلك اليوم العظيم التي تدل الشمس فيها على قدر ميل من رؤوس العباد ويزاد في حرها تصهرهم الشمس فيكون العرق على قدر أعمالهم منهم على عقبيه ومنهم على حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، تذكروا يوم العرض على الله (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) تذكر أخي يوم الجزاء والحساب، تذكر يوم تقرأ كتابك أما بيمنك أو بشمالك، تذكر ميزان الأعمال (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ*وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)، تذكر أخي يوم دخول الجنة وتذكر يوم ينادي المنادي "يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا، وأَنْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا، وَإِنْ ; تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا" تذكر يوم ينادي المنادي "يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ وَمَا هُوَ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُنْجِنَا مِنَ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَى وجه الله" فما أعطوا بعد هذا النعيم تذكر يوم ينادي المنادي" يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ; خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ"، توبوا إلى الله من سيئات أقوالكم وأعمالكم جددوا التوبة النصوح: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً)، حافظوا على فرائض الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم والحج والأخلاق الكريمة، وابتعدوا عما حرم الله عليكم. ;اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، ونصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمَّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلبوهم وأصلح ذات بينهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم، اللَّهمَّ أصلح قادة المسلمين وجمع بينهم وبين رعيتهم على خير حال وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَ الله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، اللَّهمّ كل له عونا ونصيرا، اللَّهمَّ مده بالصحة والسلامة والعافية، اللَّهمَّ وفقه لرضاك وجعله مباركاً على نفسه وعلى المجتمع وعلى المسلمين أجمعين، اللَّهمَّ أرحم الأمير سلطان بن عبدالعزيز وغفر له ورحمه وجازي عن الإسلام خيرا، اللَّهمَّ وفق ولي عهده نايف بن عبد العزيز لما تحبه وترضى، اللَّهمَّ كن له عونا ونصيرا في كل ما همه ووفقه للصواب إنك على كل شيء قدير، اللَّهمَّ وفق جميع المسلمين لطاعتك، اللَّهمَّ أجزيء عنهم خيرا، والشكر موصول للشؤون المركزية خالد الفيصل وفقه الله وأعنه ومتعه بالصحة والعافية، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضى (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ*وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. ; ;