خطبة عرفة 1434هـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين ; ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها الناسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، معشر المسلمين، شرفكم الله بالإسلام، ووفقكم لحمل أمانة هذا الدين، فيا له من شرف عظيم وفضل كبير، أن كنتم أمة مرحومة ليتوب الله عليكم: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً* لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً). أخي المسلم، إن هذا الدين بتعاليمه ومبادئه أمانة لديك فقم به خير قيام وتحلى بأخلاقه الفاضلة، العقيدة الصحيحة أمانة لديك فكن صادقا وجادا في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، صف الله بالأسماء الحسنى والصفات العلى على وفق ما دل الكتاب والسنة عليه بعيدا عن التكذيب والتنفير والتحريف والتعطيل معتقدا كما لدى الرب وصفاته: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، وحد الله في عبادتك كما أمرك بذلك ربك: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، أخلص لله الدعاء والتضرع في طلب الغوث والمدد من ربك في شدتك ورخاءك وسرك وعلانيتك: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). كن صادق الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه عبد الله ورسوله وخاتم الأنبياء والمرسلين: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، ليكن إيمانك به إيمانا صادقا يحملك على إتباع سنته وتحكيم شريعته والتحاكم إليها والرضا بها، وأن يكون قدوتك وأسوتك في أحوالك كلها: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)، واعلم أنه صلى الله عليه وسلم رسول للخلق كلهم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)، وعنه صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ لا يُؤْمِنْ بي إِلاَّ دخل النَّارِ". كن إيمانك بالقرآن إيمانا صادقا، لأن هذا كتاب الله خاتم كتب الله ناسخا لما مضى ومصدقا له، يحق الحق ويبطل الباطل: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)، دين الإسلام خاتم الديانات السماوية كلها ناسخ لها مغنيا به عن غيره، وأن الخلق يجب يعتنقوا هذا الدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ). أيُّها المسلم، إن العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج أمانة لديك يجب أن تنفذها على وفق شرع الله، مخلصا لله في ذلك، تؤديها هذه الصلوات على هدي محمد صلى الله عليه وسلم القائل: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"، تؤديها في أوقاتها، كاملة الشروط والأركان والواجبات متقربا بها إلى الله، تؤدي زكاة مالك، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. أيُّها المسلم، إن من أمانة هذا الدين التخلق بأخلاقه والتحلي بفضائله من الصدق والأمانة والصبر والحلم والسماحة والعفو والأخوة الفاضلة، وأن تجنب ما يضاد ذلك من الكذب والخيانة والغدر والكبر والعجب والحسد والحقد والغيبة والنميمة وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة. أيُّها المسلم، إن من أمانة هذا الدين تنفيذ أوامر الله التي أمرك بها قال جلَّ وعلا: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وأن تنفيذ أوامر نبيك صلى الله عليه وسلم: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). أخيِّ المسلم، إن من أمانة هذا الدين أن تعتقد أن الدماء والأموال والأعراض أمانة لدى المسلمين يجب احترامها وصيانتها وعدم الاعتداء عليها ففي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ"، "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأعراضكم عَلَيْكُمْ حَرَامٌ"، يقول الله جلَّ وعلا: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)، ويقول جل وعلا: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". اكتسب المال من الطريق المشروع، واحذر الطرق المحرمة من الغش والظلم والغدر وأكل أموال الناس بالباطل. العهود والعقود أمانة لدينا يجب أن نوفي بها: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وفي الحديث: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا". أمَّة الإسلام، إن تحكيم هذه الشريعة أمانة في أعناق الأمة وقيادتها أن يحكموا شرع الله في شؤون الحياة كلها الاجتماعية والاقتصادية والسياسة والتعليمية والعلاقات الخارجية لتكون الشريعة وحدها مصدر حكم والتحاكم. أيُّها المسلم، إن تبليغ الدعوة الإسلامية والدعوة إلى الله أمانة في أعناق الأمة كل على استطاعته أن يبلغ شرع الله ويدعوا إلى دينه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ)، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ). أيُّها المسلم، عمرك أمانة عندك، وهو وعاء لتعمل فيه أعمالا صالحة فأنت مؤتمنا على ذلك، عمرك أيام وشهور وسنون ما مضى فلن يعود، كل يوم مضى مضى على ما مضى عليه والجزاء عند الله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى). أخيِّ المسلم، مسئول عن عمرك فيما أفنيت، وشبابك فيما أبليت، ومالك من أين اكتسبته؟، وفيما أنفقته، وماذا عملت فيما علمت؟، عقلك أمانة، فحذر ما يكدره ويضعفه أو يزيله أو يقلل إنتاجه من الاشتغال بالمخدرات والمسكرات والشعوذة والسحر وأنواع الكهانة والتنجيم فإن هذا تضعف مسير العقل إلى الخير، وسخروا بالتفكر في خلق الله وعظيم آياته: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ)، (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)، وسخروا في العلوم النافعة التي تصلح دين الناس ودنياهم. أخيِّ المسلم، إن النفس التي بين جنبيك، وجوارحك تنعم بها في حياتك أمانة عندك، سمعك بصرك قلبك لسانك كل ذلك أنت مسئول عنه: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً). أمَّة الإسلام، إن أمة المحمدية أمانة في أعناق الأمة من قادة وحكام وعلماء ومفكرين كل يحمل في عنقه على قدر استطاعته وقوته والحيثيات المتاحة له، يمر العالم الإسلامي بظروف حرجة ويواجه تحديات ومصائب ويهدد وحدته، تفرق أبناءه واختلافهم وتشتتهم وتكالب الأعداء المتربصين بهم مزقتهم الفتن والحروب الداخلية فأصابهم الضعف والوهن والذل والهوان، ومؤامرة الأعداء الذين يريدون النيل منهم فأصبح بأسهم بينهم شديد يعلمه القريب والبعيد، وكان سبب ذلك تخلي الأمة عن تعاليم دينها وعن عقيدتها الصحيحة وتجردها من قيمها وأخلاقها، وفرار كثير منها إلى ما حرم الله ورسوله فنالوا الضعف والهلاك: فر طائفة من الأمة إلى الفاحشة وتميع الأخلاق والإباحية، فما حصدوا سوى ضياع الأعراض وانتهاك الحرمة وفساد الأخلاق والانحلال مع ما يضاف إلى ذلك من الأمراض والوباء الخطيرة كل ذلك نتيجة لهذه المنكرات العظيمة. طائفة من هذه الأمة استدلوا بالقوانين الوضعية تريد منها خيرا كما تريد؛ لكن حصدوا انعدام الأمن والاستقرار واستعباد الأعداء وتدخلهم في شؤونهم الداخلية. طائفة من هذه الأمة أعتوت التقليد أعداءها في أخلاقهم وعاداتهم وأفكارهم فاستوردوا مناهجهم التعليمية ومبادئهم الفكرية ضانين أنها تقدم الحضارة مرهون بذلك من غير التأمل في الفكر والصميم والنافع والضار، وما يوافق الشريعة وما يخالفها وما يصلح الأمة الإسلامية وما يضاد ذلك. أيُّها المسلم، وطائفة يخالف الإسلام من شيوعية وليبرالية وعلمانية يظنون أنها رقي وتقدم فصار الأمر بعكس ذلك. أيُها المسلم، ليس هذا حال الأمة كلها بل حال كثير منها، وإلا فلا يزال في الأمة من هو ظاهر على الحق ثابت على الدين، متمسك بالثوابت والمبادئ يدعوا إلى التوحيد وينهى عن الشرك، ويحافظ على آصاله ويرفض التقيد والتبعية. أيُّها المسلمون، الآن وبعد هذه المهونة العظيمة والضياع والضعف والهوان فقد آن للأمة حق الأوان أن تفر إلى ربها وتستعصم بدين الله: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)، لا نجاة للأمة ولا سعادتها إلا تمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها على فهم السلف الصالح، ولن يصلح آخر الأمة إلا ما صلح فيها أولها. أمَّة الإسلام، إن سلفنا الصالح كانوا على المنهج الرباني في العقيدة والأخلاق والقيم والتعامل والإصلاح والتربية والسلوك والتزكية، هذا المنهج أنار الله به طريق المهتدين، وشرح به صدور العالمين شرقا وغربا حفظ به كتابه وصان به دينه على أيدي علماء من سلف هذه الأمة الذين موجودين إلى اليوم في الحديث: "لاَ تزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهرين عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ولاَ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ". أمَّة الإسلام، إن الرجال الذين فتحوا البلاد وخضعت لهم العباد لم يكن ذلك بكثرة عددهم ولا بقوة عددتهم؛ ولكن بعظمة دينهم وقوة إيمانهم، ونبذ أخلاقهم وتماسك فيما بينهم، واجتماع كلمتهم، فإنهم يرون علاقة الإسلام فوق علاقة النسب، ولا يرضى بعدو مشترك أن يظلم المسلم بالمسلم، أو الأخ بأخيه ولا يتدخل في شؤونه الداخلية ولا يستعين به ضد إخوانه المسلمين. أيُّها المسلمون، يا أمَّة الإسلام، أما آن لنا أن نفيق من غفلتنا بعد تلك المصائب التي حل بنا، أما آن لنا أن نتحد بعد التفرق والتشتت، أما آن لنا أن نعود إلى كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم بعد أن تعطل كثير منها بعد أن فار كثير منها تعاليم الكتاب والسنة، أما آن لنا أن نتعاون جميعا في بناء مستقبل أمتنا بأيدينا مستعينين بالله ثم بقدراتنا وخبراتنا وعقول مفكرنا وعلماءنا وتبادل الخبرات بيننا ألا نسعى في اتحاد إسلامي قوي في كل الجهات اقتصاديا نكتفي بما لدينا، وقوة عسكرية نواجه بها قوى أعداءنا، وأن الأمة الإسلامية ذات توحد إسلامية وثقافة متميزة وذات حضارة أخلاقية نزيهة تأخذ بقيادة العالم ونكون في مقدمة القافلة ندعوا الناس إلى الخير، مشاعر من نور نهدي بها الخلق إلى صراط الله المستقيم، إلى الفلاح والسعادة على ضوء كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم. أمَّة الإسلام، تمسكوا بدينكم، وعضوا عليها بالنواجذ، ودافعوا عن عقيدتكم ولا تضعفوا فتفشلوا (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، والله معكم ومؤيدكم وناصركم. يا قادة المسلمين، إن عليكم مسؤولية في أمتكم بالمحافظة على مكتسباتها ووحدة صفها واجتماع كلمتها، ودفع الأخطاء المحدقة بها، والاهتمام بمصالحها العليا، انشروا العدل في رعاياكم بالرفق واللين والسعي في تحقيق الحياة الكريمة لهم، واحذروا أن تضيقوا عليهم أو تسوموهم سوء العذاب أو تهان حقوقهم المشروعة أو تهينوا كرامتهم فإن ذلك مما يفقد التوازن بينكم وبينهم، ضعوا جسور من المحبة والمودة بينكم وبين شعوبكم فيما يحقق المصلحة العامة في الحاضر والمستقبل، ليكن لكم موقف شجاع في المحافل الدولية بالدفاع عن القضايا الإسلامية ولاسيما المستضعفين منهم وحل معاناتهم وعدم إتاحة الفرصة لعدوهم ليستولي عليهم لاسيما في ضعفهم فكونوا معهم كذلك في الخير والتعاون والبر والتقوى. يا علماء الأمَّة، إن لكم دور فعال في توعية الأمة وإصلاح شأنها، وفصل الخصام بينها، وإطفاء العداوة والحروب والفتن بين أبنائها. يا علماء الإسلام، تحلوا بالشجاعة والإخلاص والموضوعية والصراحة فيما تعالج قضايا الأمة ونزع الفتيل بينها وإن أهملتم ذلك وضيعتموه اتسعت تلك الفجوة واستحكم الخلاف واتسعت تلك الفجوة بين الأخوة الأشقاء ودمرت البلاد ومصالحها للأغراض الشخصية والحزبية والطائفية وكلها أذى مما لا يليق بكم. يا أرباب الأقلام، النزيهة، والأخلاق الإسلامية القوي، سخروا أقلامكم وسخروا أفكاركم فيما يخدم الأمة وينهض بها وينشر بين أبناءها ويحذرها من مكائد أعدائها، ويغرس فيها حب الدين وحب وطن الإسلام وأمة الإسلام والأخوة والالتفات حول قيادتهم الناصحة وتعليقهم بماضيهم المجيد. أيُّها المسلم، أيُّها الآباء والأمهات، إنكم مسئولون أمام الله عن تربية هذه الأجيال فربوهم على التربية الصحيحة والخلق الكريم، والهوية الصادقة، وغرسوا فيهم حب دينهم وأوطانهم، وحالوا أن تنشروا فيهم المودة والتعليم والجد في حياتهم كلها وجنبوهم الفواحش والمنكرات. يا رجال التعليم، علموا أبناء المسلمين ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، أنيروا لهم الدرب في مستقبلهم وأيامهم وحياتهم، أهلوهم بأن يكونوا قد المسئولية في أمتهم ومواطنيهم وخدمة قضاياهم الإسلامية. يا رجال المال، اتقوا الله فيما أوتمنتم عليه، وأدوا زكاة أموالكم، وحاولوا من حق الأمة عليكم أن تستثمروا أموالكم في بلادهم ليحصل الخير والبركة من مشاريع حيوية يكون قوة الاقتصاد والتقدم وإتاحة الفرصة لشبابكم وتشغيل الأيادي العاملة فذلك خير، أحذروا أن تكون أموالكم سببا لأضرار الأمة أو فسادها أخلاقها أو طمس هويتها وشعائرها أو تكون عونا لأعداء الإسلام على المسلمين. يا أيُّها المخططون للأمة في مستقبلها، اتقوا الله في أنفسكم وفي مسئوليتكم وفيما تخدم أمتكم من إنقاذها من الذل والتبعية والذل والهوان، ألزموا الصدق والإخلاص فيما تخططوا للأمة من اقتصادية أو عسكرية أو صحية أو سياسة أو إعلامية ولتكن موافق للشرع وعند تحقيقكم انظروا إلى ما يتفق مع الدين ومبادئه، واحذروا ما يخالف ذلك. أيُّها الشعوب المسلمة، أيُّها الشعوب الإسلامية، إن بلادكم أمانة في أعناقكم، فحافظوا على أمنها واستقرارها ومكتسباتها ومقدراتها ومشاريعها العامة النافعة، واعملوا أنكم مستهدفون من قبل أعداءكم يريدون تفريق صفكم، وضرب بعضكم لبعض ونشر الفوضى والبلبلة في صفوفكم فاحذروا مكائدهم ليضربوا على البنية التحتية، وعلى اقتصادكم والمؤسسات العسكرية والمؤسسات المدنية والقضاء على كل خير في ضل السيطرة والتبعية لديكم، فاحذروا مكائدهم وتأملوا في مؤامراتهم الخبيثة التي يريدون الضرر بكم أفشلوها اعملوا على إفشالها قبل خروجها. أمَّة الإسلام، إن أعظم الخيانة أن يخون العبد دينه أو يخون أمته ومن خيانة الأمة بث المخدرات بين أفرادها ونشر هذا البلاء العظيم، ومن خيانة الأمة أن يكون الإنسان عدوا لأمته متبعا لأمثال الآخرين، متبعا لما يقوله الآخرون فيحطم بلده وأمته لمصلحة من؟ لا لمصلحة بلد؛ ولكن لأغراض ومطامع دنيوية فحافظوا على أوطنكم، واحذروا من مكائد الأعداء. أمَّة الإسلام، إن القوة أمانة، قوة الإنسان سواء قوته العسكرية أو السياسية أو المالية أو الاقتصادية أو العلمية هي أمانة فإن سخرها فيما ينفع أمته ومجتمعه كان مؤديا للأمانة وإن ضيعها واستعملها في غير ما هي له كان خائنا للأمانة، فالأمانة عند القوة فيما ينفع الأمة في حاضرها ومستقبلها. أيُّها الإنسان، إن الله حمل الإنسان الأمانة فقال: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)، الله، الله في البعد عن أسلحة الدمار والخراب قد تدمر البلاد والعباد وتقضي على الحرث والنسل، إنها هذه القوى الشريرة التي تضر بالأمة ومستقبلها على ملاكها أن يتقوا الله في أنفسهم، والعلم بأن هذه القوة إن لم تستعمل في الخدمة البشرية استعمل فيما يضر البشرية وهذا ظلم وعدوان على بني الإنسان، تلك القوة الظالمة التي لا خير فيها ولا منفعة منها فليتقي الناس ربهم وليحذروا من الظلم والعدوان، فإن عواقب الظلم وخيمة. حجاج بيت الله الحرام، وطأتم هذا البلد فوجتموه حرما آمناً ; مطمئنا رخاءً سخاء ذلك بفضل الله ثم بتمسك قيادته بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شؤون الحياة كلها، ثم جعل الشريعة دستورا لها، والأمن الذي يعيش في ربوعها كلها وما فيها من تألف بين الراعي والرعية مما جعل المجتمع مجتمعا قويا ضد النزاع والفساد والخراب، هيأ الله لهذه البلد سياسية خارجية متوازنة محتاجة كلها تقارع بين كل الأحداث حتى جنبت هذا البلد هذه ; الفتن والمصائب. أيُّها المسلمون، إن الانقسام لهذه الأمة وإذكار الطائفية ضرر للأمة، حلوا مشاكلكم بأنفسكم، واحذروا من عدوكم أن يضرب بعضكم بقلوب بعض فإنكم أمة مسلمة يجب أن يكون عندكم وعي وانتباه لما يريده الأعداء منكم. حجاج بيت الله الحرام، أشكروا الله على هذه النعمة، ولزموا الهدوء والسكينة، واحترموا أنظمة السير والمرور، واحذروا ما يعيق الحاج في الحرم والمشاعر، وتخلقوا بأخلاق الإسلام فإن الأنظمة وضعت لأجل راحتكم وسلامتكم فلزموها وحافظوا عليها لعلكم تفلحون. أيُّها المسلمون، أنتم في يوم من أيام الله المباركة يوم عرفة ذلك اليوم العظيم الذي أكمل الله به الدين وأتم به النعمة ورضي به لنا الإسلام دينا، فعظموا هذا اليوم بذكر الله وطاعته فخير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قاله النبيون قبلنا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذا يوم ما رئي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدحر مما رؤيا يوم عرفة، هذا يوم يعتق الله فيه عبيده من النار، هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له، هذا يوم ينزل الله في مساءه إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء أنظروا إلى عبادي: أتوني شعثا غبرا ضاحين أشهدكم إني قد غفرت لهم. قفوا بعرفة وتأكدوا من حدودها وصلوا بها الظهر والعصر ركعتين ركعتين جمعا وقصرا كما سنفعله إن شاء الله، قفوا بها إلى غروب الشمس ثم انصرفوا بعد غروب الشمس إلى مزدلفة وصلوا به المغرب والعشاء جمعا وقصرا وبيتوا بها ولكم الانصراف في نصف الليل والأرض لمن كان قادرا أن يبقى فيها حتى يصلي بها الصبح وينصرف منها قبل طلوع الشمس، أتموا منى روموا جمرة العقبة بسبع حصيات وحلقوا أو قصروا وقد حل عليكم كل شيء بالإحرام إلا النساء، طوفوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة إن كنتم متمتعين أو قارنين فسعوا فيكون التحلل الأول كاملا، عدوا إلى منى وروموا بها الجمار يوم الحادي عشر والثاني عشر بعد الزوال اقتداءً بنبيكم صلى الله عليه وسلم. أيُّها المسلم، تعجل في يومين وإن تأخرت في اليوم الثالث عشر فذلك أفضل لأجل تنظيم الحجيج ومساعدتهم على أمورهم وتقسيم التفرج يومين فيه فضل كبير، وخير للأمة، وإن هذا المشروع العظيم الحرم الشرف الذي تشاهدونه اليوم يحتاج منا التعاون مع الدولة للحجاج في السنتين الآتيتين ليستكمل المشروع حقه وليخرج على الوجه المطلوب فجزا الله حكومتنا خيرا على ما بذلت به من التوسعات العظيمة والخدمة الكبيرة للحجاج وفرة لهم المعيشة والصحية والأمن والاستقرار وكل الأجواء مهيأة لطاعة الله فجزاهم الله عما قدموه خيرا فالشكر لله جل وعلا على فضله وإحسانه. أيُّها المسلمون، إن الموت نهاية كل حي، كتبه الله على كل الخلق: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) تأمل أخي ساعة الاحتضان ومفارقة هذه الدنيا: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، تأمل القبر وظلمته وأنه أول منازل الآخرة فإما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، تذكر أخي الموقف بين يدي الله ذلك اليوم العظيم المهيب الذي هو خمسون ألف سنة، وتذكر أخي العرض بين يدي الله: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)، تذكر حينما تدنوا الشمس من العباد ويزاد في حرها ويكون العرق على قدر أعمالهم منهم من على كعبيه، ومنهم من إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، تذكروا ميزان الأعمال وتطاير الكتب فأخذ كتابه بيمينه وأخذ كتابه بشماله، تأملوا يا أخي المرور على الصراط الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف يمر العباد عليه على قدر أعمالهم، فناجي ومخدوش ومكدس في النار على قدر أعمالهم، تذكروا يوم يؤذن للمؤمنين بدخول الجنة: (وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ)، تذكروا يوم يواجهون ملائكة الرحمان: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)، أذكروا يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، تذكروا يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن تروه فيقولوا: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ألم يسكننا الجنة، ألم يعيذنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إلى وجهه الكريم فما أعطي في الجنة نعيم أفضل من هذا النعيم، تذكروا يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النَّار خلود فلا موت. أيُّها الأمة، تذكروا هذه الفتن والمصائب والمواقف العظيمة فعسى أن يكون فيها خيرا وعظة للقلوب إن شاء الله، أتموا حجكم بإخلاص وعمل صالح: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، "مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ من ذنوبه كَيوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، "وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ"، ليكن الحج رحلة انتقال من شر إلى خير، ومن سوء إلى حسن، فارجعوا بعد حجكم على أتم الأخلاق والتمسك بهذا الدين لعلكم تفلحون. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين، ونصر عبداك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمَّ وفق المسلمين جميعا لطاعته وجمع قلبوهم على طاعته وولي عليهم خيارهم، اللَّهمَّ ; ولي عليهم خيارهم، اللَّهمَّ أنصر إخواننا في سوريا على من بغى عليهم وتعدا عليهم انصرهم على عدوك وعدوهم إنك على كل شيء قدير، اللَّهمَّ أجمع القادة على طاعته وألف بين قلوبهم وأعنهم من نزغات الشيطان، وجمع قلوبهم على طاعته وأعنهم من شرور أنفسهم عليهم واستولي عليهم، اللَّهمَّ أجمعهم على طاعته ووفقهم لما تحبه وترضى، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَالله بنَ عبدِالعزيزِ لكلِّ خير، وبارك له في عمره وعمله وألبسه ثوب الصحة والسلامة والعافية، ووفق ولي عهده سلمان بن عبدالعزيز لكل خير وأمده تسديدا وتوفيقا، والشكر موصول لأمير منطقة مكة خالد الفيصل وفقه الله وأعانه على مهمته، والشكر موصول لقيادة أمننا وقواتنا المختلفة على ما بذلوه من جهود ونشاط، وعلى وزارة الشؤون الإسلامية من التوعية والتوجيه للحجيج، وعلى وسائل إعلامنا، وجميع مرافق الدولة بما قدموه خير لهذه البلاد، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). اللَّهمَّ أجعل حجا مبرورا وسعيا مغفورا وتجارة لن تبور إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ***خطبة عرفة 1434هـ