صفات عباد الرحمن

الخطبة الأولى ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، خلق الله الثقلين الجن والإنس لعبادته: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، فالعبادة أعلى المقامات وأتقاها فيما العبد وربه، ولقد وصف الله نبيه بالعبودية في أجلَّ المقامات وأعلاها: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا)، (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً)، (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً)، وحقيقة العبودية أن يكون المؤمن متوجهاً لله، محكماً لشرع الله في أحواله كلها في أقواله وأخلاقه وتعامله مع الآخرين، وقد وصف الله الكمن من عباده المؤمنين بأنهم عباد الرحمن لأن وصفهم في عبودية الرحمن أكمل وأجلَّ، إذ العبودية المطلقة فكلنا عبيد لله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً)؛ لكن عباد الرحمن حقا لهم صفات تميزهم عن غيرهم، فلم ينالوها بالدعوة؛ بل نالوها بالحقيقة قال جل وعلا: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، وربنا جلَّ وعلا في كتابه العزيز يذكر صفات المؤمنين وأخلاقهم ليحثنا على التمسك بها والعمل بها، ويذكر أخلاق الكافرين والمنافقين وصفاتهم لنجتنبها ونكون بعيدين عنها، فالمؤمن حقا كلما بلغ صفة من صفات عباد الرحمن تأكد في حقه أن يتمسك بها وأن يعمل بها رجاء أن يكون من عباد الرحمن حقا، وفي آخر سورة الفرقان ذكر الله بعض أخلاق عباده المتقين فقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً)، فأول صفاتهم أنه ارتضى في مشيهم، فهم متواضعون في مشيتهم توضعا في الرفق والين والسكينة والوقار، يمشون بسكينة وتواضع بعيدين عن الأشر والتجبر والعلو والاغترار بالنفس، فإن الله نهانا عن هذه الأخلاق الذميمة (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً* كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً)، (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، ليست مشي تماوت واسترخاء، هي مشيت اعتدال وقوة؛ لكنها باتزان وعقلانية خضوع لله وطاعة لله، والله يقول: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ). أيُّها الشاب المسلم، إن الواجب علينا في سيرنا أن نكون أهل تواضع في سيرنا، نحترم الآخرين، ونعلم أن الطريق والميدان ليس خاص لفلان وفلان، ولكن لي ولك ولجلساء الناس، تمشي في طريقك وتعلم أن لمن خلفك عليك حقا، ولمن أمامك حقا، ولمن عن يمينك ويسارك حقا، لا تغتر بنفسك، ولا تعجبك نفسك قوتك وصحتك، تواضع لله في مشيتك، اسمع أخي عاقبة الطغيان والتكبر والتجبر في الأرض أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن رجلا ممن قبلنا عليه مردان يتمخطر فيهما ينظر في عطفيه قد أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. أيُّها الشاب المسلم، قف معي لحظات أناقشك، ولعلك أن تصغي لي لما أقول لك ولعل هذه المناقشة تهديك إلى خير وتجنبك السوء، أخي الشاب المسلم، إن مما يلاحظ على بعض شبابنا في بعض الأوقات السرعة الذي لا تتزن بعقل ولا فكر سليم، التصرف في القيادة علامة تهور ونقص في العقل وفقد في الرأي، تصرف سيء، تصرف خاطئ ينبأ عن قلة حياء وضعف إيمان وغرور في النفس وانخداع في صحة الشباب، يتصرف تصرفا مجنونا، هذه التصرفات يا ليتها فقط أخطائها تخص صاحبها، لقيل هذا أراد شرا لنفسه فهو كما أراد وإن كان في خطأ؛ لكن المصيبة أن هذه التصرفات تحلق أذى بالآخرين، ويا ليت هذا الأذى في أمور يسيرة؛ لكن إزهاق الأرواح، قتل الأبرياء تدمير عرباتهم، تدمير ممتلكاتهم إضاعة الآمنين تخويف السائر في الطريق، تصرف من بعض شبابنا ينبأ عن ضعف إيمان وقلة حياء وغرور بالشباب والصحة، وانخداع بأن سيارته وإن عطبت فلابد لأبيه أن يعوضه عنها أخرى في خلال ساعات، وهو مأمن كما يقال على نفسه وعلى سيارته، إذا لا يبالي بأي عمل يعمل ولو مات الأشخاص عدد من الناس لا يبالي في ذلك، هذه التصرفات التي يزهق في سيبلها عدد من الناس؛ بل في حادث واحد خمس أشخاص كلهم زهقت أرواحهم على أيد هؤلاء المفحطين المتصرفين بل عقل ولا رأي إن هو إلى ضعف الإيمان والغرور والتجبر والتعالي والاغتراء بالنفس والصحة والغنى، فالواجب عليك أيها الشاب المسلم، أن تتقي الله في أمرك، وأن ترفق بنفسك فنفسك أمانة عندك والله يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) ونفوس الآخرين أيضاً غالية يقول الله جلَّ وعلا: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً). أخي المسلم، هذه التصرفات لا تتدل على شجاعة، ولا على مهارة، ولا على قدرة، ولا على خبرة؛ لكن تدل على فساد في العقل وضعف في الرأي سهر وتعب وأخلاق سيئة ومعانة لا خير فيه وينفض الأمر إلى دماء تسفك دماء أبرياء بغير حق متفرجون ومشجعون وغير ذلك كل هذا خطأ، فاتقي الله في نفسك، أرفق بنفسك وممن حولك من عباد الله المؤمنين، نبينا صلى الله عليه وسلم أوصنا إذا أراد أحد منا الخروج من المنزل أن يقول: "بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"، إذا قالها المسلم قال له الملك: "كفيت هديت ووقيت وتنحى عنه الشيطان، وقال: كيف لي برجل قد هدي ورقي". فيا أيها الشاب المسلم، اتقي الله في نفسك، واتقي الله فيمن حولك، أمشي بطمأنينة وهدوء، واحذر هذا الخلق الذميم، أحذر هذا العرض السيارات فهو أمر محرم، إن الواجب على المجتمع علاج هذه القضية، ولكن يا مسئول المرور أن يعاقب أولئك بعقوبة رادعة، تمنعه وأمثاله من التمادي في غيهم وجهلتهم، فلابد من عقوبة رادعة أن تسحب رخص القيادة من هذا السائق، وأن يمنعوا من القيادة فترة معينة لعله أن يرتدع وأن يؤدب أدبا له ولأمثاله، لأن ترك أولئك يعبثون ويعملون ما يشاءون وتزهق النفوس كل ذلك خطأ عظيم وذنب كبير، متى ما استشراء في شبابنا ضعفت نفوسهم وقل إيمانهم وأقدموا على كل رذيلة، هؤلاء العاطلون الذين لا يجدون عملا ولا يحبون الإنتاج؛ إنما يعيشون على هذه الحياة الشقية، يؤمن أبوهم نفقاتهم وسياراتهم، ثم لا يبلون بما جرى، كل هذا خطأ. فيا أيُّها الشاب المسلم، أنصحك لله، أن تتقي الله في نفسك وفي شبابك ومن حولك، وأن تترفع عن هذه الدنايا، وتجعل القوة والشجاعة في العمل والإنتاج ومزاحمة الأعمال، والبحث عن طرق كسب الحلال الطيب النافع، ثم إن الله وصف عباده المؤمنين بصفة أخرى وهي الحلم والصفح والعفو والإعراض عن الجاهلية: (وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً)، إذا جهل عليهم جاهل أو خاطبهم سفيه بما لا يليق تغاضوا عنه وحملوه على عقله ولم يجاروا في سفه، بل قابلوا تلك الأخلاق السيئة بخلق حسن، مكافئة مقابلة بالإحسان (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، فإذا خاطبه جاهل أو تكلم عليه سفيه حمله على عقله، وأن هذا دليل على قصور العقل ونقص في الرأي فلا يخوض معه في سفه ولا يخوض معه في جهل، ولهذا كان هذا الخلق الكريم الذي هو الإعراض عن الجاهلين خلق محمد صلى الله عليه وسلم، يحدثنا أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وكان على النبي برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه الأعرابي فجذبه جذبه قال أنس: فلقد رأيت أثرها في عنقه صلى الله عليه وسلم، وقال: يا محمد أعطيني من مال الله الذي عندك، فلتفت عليه وتبسم ثم أمر له بالعطاء، هكذا عمل صلى الله عليه وسلم الأعرابي الرجل الجاهل عامله بالتبسم وأعطاه حقه دون أن يعاقبه صبرا وتحملا لأن الله يقول عنه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، ووصف عباده الرحمن بقوله: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً) هؤلاء أحسنهم من الخلق، ثم هم أيضا رغبوا في الخير واهتموا لأنفسهم، يبيتون الليل سجدا وقياما، يراحون بين السجود والقيام، يحيون من الليل ما يحيون طاعةً لله لتصلح قلوبهم، وتزكى نفوسهم: (كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، ذكر السجود لأن أقرب ما يكون العبد وهو ساجد، ودعاء في السجود من أسباب قبول الدعاء، ودعاء آخر الليل من أسباب قبول لأن الله ينزل إلى سماءه الدنيا حين يبقى ثلث الليل فينادي: هل من سائل يعطى سؤاله؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ ثم وصفهم أيضا بصفة آخر بقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً* إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) آمنوا بالنار، وأنها حق يعذب الله بها أعداءه، ويعذب المخالفين في شرعه وكل ينال قدره، فالكافرون مخلدون فيها مخلدا أبدا، والمؤمن قد يعذب على قدر معاصيه ويتوب الله على من تاب، هذه النار العظيمة التي أخبر الله عنها في كتابه وأخبر عنها رسوله صلى الله عليه وسلم أهل الإيمان يدعون ربهم أن يصرف عنهم عذاب النار لأن عذابها غرام، ملازم لأهله لا ينفك عنها أبدا خالدين فيها أبدا، قال جلَّ وعلا: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً)، وقال: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)، (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) فهم خالدون مخلدون (ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا)، فإذا تذكروا النار وعذابها وأغلالها وسعيرها خافوا منها وسألوا الله أن يعذهم منها: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً)، ملازما لأهله: إنها ساءت مستقرا وساءت مقاما، فنسأل الله السلامة والعافية، ثم إن عباد الرحمن أيضا وصفهم الله بالاعتدال والوسطية في إنفاقهم وتصرفاتهم المالية، فلم يكن المال سببا في غرورهم وأشرهم وبطلانهم؛ بل كانوا خلاف ذلك فإن طبيعة المال إلا من عصم الله تكون سببا للطغيان والأشر:(كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)؛ لكن أهل الإيمان يمنعهم إيمانهم من هذا الخلق الذميم، فهم لا يسرفون سرفا يجاوزون به الحد ولا يقترون تقتيرا يضعف أداء الواجب، لا ينفقون في الحرام وإن قل، ولا يمنعون الواجب؛ بل يؤدونه على الوجه المطلوب: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)، يعلمون أن هذا المال أمانة عندهم الله يوم القيامة سألهم عن مصدر ذلك المال؟ من أي طريق جاء؟ أم من طريق حلال أم حرام، ثم سألهم عن هذا المال، ماذا أنفقوا؟ هل أنفقه في الخير أم أنفقه في السوء: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)، ثم مدحهم بأنهم مع صلاحهم واستقامتهم وتحليهم بالأخلاق الفاضلة قد ترفعوا عن كبائر الذنوب والموبقات، فهم (لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) طهروا قلوبهم من دنس الشرك وترفعوا عن العدوان على النفوس وعلى الأعراض وعلى الأنساب فهم في خير ونعمة هذا صفاتهم، ثم بيَّن عقوبة تلك الأخلاق فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أن يزني أو يقتل نفسا (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) لكنه جلَّ وعلا بين أن التوبة تمحوا أثار الذنوب إذا كان توبةً صادقة أقلع عن الذنب، وندم عليه، وعزم أن لا يعود: (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)، بتوبتك إلى الله يمحوا الله ما مضى من الذنوب ويبدلك بذنوبك أعمالا صالحه فله الفضل والمنة في كل الأحوال، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكيم، أقولٌ قولي هذا واستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ; أما بعدُ: أيُّها النَّاس، إن الله جلَّ وعلا وصف عباد الرحمن بصفة أخرى فقال: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً)، لا يشهدون الزور الكفر والكذب ومجالس السوء وأماكن الرذيلة لا يشهدونها ولا يحضرون مجالسها، ولا يتمايلون مع أهلها، ولا يصرون على باطلهم؛ بل هم يهجرون السوء وأهله ويحذرون المسلم من كل سوء فهم لا يقولون إلا حقا، لا يشهدون شهادةً باطلة، شهادة شهدوا فبحق وعدل، لا يفترون قولا ولا زورا، فالزور بعيداً عنهم في أقولهم وبعيدا في أفعالهم وفي تصرفاتهم وفي كل أحوالهم، أهل صدق وأمانة وطاعة ووفاء لله لا يشهدون الزور، وإذا مروا باللغو مروا به بغير قصد قالوا: سلاما، فأعرضوا عنه كما قال: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)، ثم ذكر من خصالهم أنهم مع صلاحهم وقيامهم بالواجب إلا أن يتطلعون إلى أمر آخر وهو أن يجعل الله لهم من أزواجهم وذرياتهم من تقر أعينهم بهم ممن يعبدون الله ويطيعون الله ويتقون الله، وينصرون دينه فقال الله عنهم: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)، فإنَّ صلاح الأولاد نعمة من نِعم العبد صلاح الأولاد تربيتهم ينتفع في حياته وينتفع بعد موته: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، (وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)، فمن سعادة العبد أن يرى أولاده في استقامة على طاعة الله وتألف على الخير واجتماع على الخير وقرة عينه ويوم القيامة يقول الله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، يرفع الله درجة الآباء بصلاح الأبناء، ويرفع الله درجة الأبناء بصلاح الآباء، فنسأل الله أن يصلح ذرياتنا وذرياتكم إنه على كل شيء قدير، ثم ذكر أيضاً في جزاءه لهم: (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً)، يجزون الجنة بصبرهم عن الطاعة وعن المعاصي: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً)،(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) فهذه أخلاق الإسلام، هذا خلق الأول الذين فهموا الدين حقه وجاهدوا في الله حق جهاده، وفتحوا القلوب والبلاد ودخل الناس في دين الله أفواجا، فكن أخي المسلم أنموذجا صادقا في تحليك بالأخلاق، أبتعد عن الرذائل، تحل بالحلم والأناة، أبتعد عن الغضب والفوضى، وكن عابدا لله مطيعا لله متقربا لما ينفعك لتكون من عباد الرحمن حقا، أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلنا وإياكم جميعا من عباد الرحمن إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، الأئمة المهدين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أصلح قادات المسلمين وجمع قلوبهم على الطاعة وأعذهم من مضلات الفتن إنك على كل شيء قدير، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِالعزيزِ لكل خير، اللَّهمَّ بارك له في عمره وعمله، وألبسه ثوب الصحة والسلامة والعافية إنك على كل شيء قدير، اللَّهمَّ ; وفق ولي عهده سلمان بن عبدالعزيز لكل خير، وأعنه على طاعته، اللَّهمّ سدده في أقواله وأعماله، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، ;(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ وجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ وجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ وجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللّهمَّ سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم لا غرق، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.