عناية الإسلام بصحة الإنسان - 28-01-1433هـ

عناية الإسلام بصحة الإنسان الخطبة الأولى إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين. ;أمَّا بعدُ: ; ; ; فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى. عباد الله الإسلام ينظر للإنسان أنه ذلك المخلوق المكرم، فاعتنى به، وشرع من الأحكامِ ما يحفظ حياته، وكرامته، ويقيه مما يؤذيه ويؤذي صحته، وقد أهتم الإسلامُ بصحة الإنسان أيِّما اهتمام، تُلكم النعمة العظيمة التي وهبها الله للإنسان، فاعتنى بها، وذَّكر الإنسان بـأهميتها وعظيم شأنها فيقول صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس الصحةُ والفراغَ"، مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، والغبنُ: أنهم لم يستغلوا تلك الصحة فيما ينفع العبد، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن من مُنح تلك الصحة والعافية فإنه في نعمةٍ عظيمة تعدل الدنيا بأكملها فيقول صلى الله عليه وسلم: "من أصبح أمناً في سربه، مُعافاً في بدنه، فكأنما حيزت له الدنيا"، وأمر صلى الله عليه وسلم المسلم أن يغتنم هذه النعمة قبل فوات وقتها، وأن يستغلها فيما يُصلح دينه ودنياه فيقول صلى الله عليه وسلم: "اغتنم خمساً قبل خمس، اغتنم شبابكَ قبل هرمكِ، وصحتكَ قبل سقمكٍ، وغناكَ قبل فقركِ، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك"، ولقد تنوعت مظاهر الاهتمام بصحة الإنسان في الإسلام، فلم تقتصر صحة على الجسد وحده بل تعدت إلى صحة العقلِ، والصحة النفسية، فأمَّا صحة الأبدان فإنَّ الإسلام قد اهتم بها من خلال أمور عظيمة فأول ذلك: حثه على النظافة، وأمره بها، لأن النظافة من أسباب صحة الأبدان، فأخبرنا جل وعلا أنه أنزل من السماء ماءاً طهور هذا الماء الطهور هو نظافةً للأبدان وسلامةً لها، وأخبرنا جل وعلا أنه يحب التوابين ويحب المتطهرين فقال: ;(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيبٌ يُحب الطيب، نظيف يُحب النظافة"، وجعل النظافة شطراً من شروط الإيمان فقال: ;"الطهورٌ شطر الإيمان"، وبيَّن صلى الله عليه وسلم فضل المؤمن القوي على المؤمن الضعيف والقوة تشمل قوته العقلية والفكرية وقوته البدنية فقال: ;"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل الخير"، وأمر صلى الله عليه وسلم بتطهر تلك الأجزاء التي تمكن أن تكون مجمع الأوساخ والأدناس فقال صلى الله عليه وسلم: "الفطرة خمسٌ، الختان، والإستحدادٌ، وقص الشاربِ، وتقليم الأظافرِ، ونتف الإبط"، وقال أنس رضي الله عنه: وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشاربِ، وتقليم الأظفارِ والإستحداد، ونتف الإبط أن لا ندعها أكثر من الأربعين يوما، ومن اهتمام الإسلام بصحة الإنسان أنه افترض عليه الوضوء في الصلاة، وجعل الوضوء بالصلاة شرطاً لصحتها، وأنَّ الله لا يقبل صلاةً بلا طهور قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) إلى أن قال: ;(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم أن المتساهلَ بنجاسة البول أو الغائط يُعذب في قبره بتساهله بتلك النجاسة وعدم ترفعه منها، فمر صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: ;"إنهما ليُعذبان وما يُعذبان في كبير بل هو عند الله كبير أمَّا أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأمَّا الآخرُ فكان يمشي بالنميمة، فأخذ جريدةً رطبة فشقها نصفين، فغرس على كلِ قبرِ واحدة، وقال: ;لعله يُخفف عنهما ما لم يبسا"، وقال صلى الله عليه وسلم: "استنزفوا من البولِ فإن عامة عذاب القبرِ منه"، استنزفوا من البولِ فإن عامة عذاب القبرِ منه، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة بلا طهور، ولا صدقة من غلول"، وقال صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، ومن مظاهر اهتمام الإسلام بصحة الإنسان أنه حرم عليه وطء الحائض في حيضها، والنفاس في نفاسها، لما في ذلك من الأضرار الصحية المعروفة قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، ورغب في غُسل الجمعة وحث عليه وقال: "غُسل الجمعة واجبٌ على كُل محتَّلم"، وأمر الجنب بالاغتسالِ، والحائض بالاغتسال قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)، وقال لأم حبيبة: "فإذا انقطع الحيض فأغسلي عنك الدم وصلي"، ومن مظاهر اهتمام بصحة الإنسان ترغبه بالسواك لما فيه من نظافة الأسنان وإزالة الدرن عنها فقال صلى الله عليه وسلم: "لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي لفظٍ: "عند كلُ وضوء"، وقال: "السواك مطهرةٌ للفمِ، مرضاة للربِ"، وكان يعتني بالسواك دائما حتى كان السواكُ آخر عملِ عمله في حياته فتروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما قالت: "دخل عليَّ عبدالرحمن أبي بكر وأنا مسند رسول الله على صدري ومع عبدالرحمن سواك يستن به فأمد النبي بصره فعرفت أنه يُحب السواك، قلتُ، أخذه، قال: نعم، قالت: فأخذته فقضمته، وتطيبته فسن به فما رأيت يستاك السواك أحسن منه، ثم قضى صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم في الرفيق الأعلى"، ومن مظاهر اهتمام الإسلام بصحة الإنسان حثه على تنظيف الأماكن فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله نظيف يُحب النظافة، طيبٌ يُحب الطيب، جوادٌ يُحب الجود، كريمٌ يُحب الكرم فنظفوا أفنيتكم ولا تشبه باليهود"، ومن مظاهر اهتمام الإسلام بصحة الإنسان أنه حرم عليه الإسراف في المأكول والمشروب لما في السرف من تهديد للصحة وإضرار بالإنسان في المستقبل، وكم لقمة منعت لقامات؟ فقال الله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، ويقول صلى الله عليه وسلم: "ما ملئ ابن آدم وعاءاً شر من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمنا صُلبه، فإن كان لا بد فثلثُ لطعامه، وثلثُ لشرابه، وثلثُ لنفسه"، ومن مظاهر اهتمام الإنسان بصحته أنه منعه من مقاربة الأمراض المُعدية بطبعها في الغالب فقال صلى الله عليه وسلم: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وقال: ;"لا يوردن ممرضُ على مُصح"، ومن عناية الإسلام بصحة الإنسان أنه رغبه بالتداول والعلاج، وحثه على ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله"، وقال: ;"تداووا عباد الله ولا تداووا بالحرام"، فالعلاج مطلوبٌ ومشروعٌ لما فيه من المحافظة على الصحة والسلامة، ومن مظاهر عناية الإسلام بصحة الإنسان رفقه بالمريض أثناء مرضه، وحثه على ما يمنعُ من زيادة الألم، فأولٌ لما كان القيام في الصلاة ركنٌ من أركانها، والركوع ركنٌ من أركانها، والسجودُ ركناً من أركانها، اسقط عن المريض ذلك كلاً من القيام أو الركوع، أو السجود عند عجزه عنه فقال لما دخل من أصحابه ورأوا قد وضع وسادة يسجد عليها رمى بها وقال: "صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فمضطجع، فإن لم تستطع فمُستلقي"، كُلُ ذلك حفاظاً على صحته حتى لا يؤذيه، وأرشد الأئمة بقوله: "أيكم أمَّ الناس فليُخفف فإن ورائه الصغيرَ والكبيَر والمريضَ وذا الحاجة"، فإن ورائه الصغير والكبير والمريض وذا الحاجة، ولما كانت الطهارة شرطٌ لصحة الصلاة وغسل جميع الأعضاء اسقط ذلك عن المريض إذا كان في أعضائه مرضُ يتعذر غسله أو مسحه بالماء وأقام التيمم مقامه (وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)، فعدم وجود الماء بالتيمم ووجدوه لكن عدم القدرة على استعماله، أو الضرر الذي يُلحق باستعماله، إذا أرشد إلى ترك الماء لأجل أيام أو بعض الأعضاء تعذر المسح عليها بالماء قام التيمم مقامه، في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأجنب أحدهم فسأل أصاحبه هل له من رخصة في ترك الغُسل، قالوا: ;لا، فاغتسل فمات، فقال صلى الله عليه وسلم: "قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يعصبا على جرحه خرقتاً فيمسح عليها"، فصلوات الله عليه وسلام عليه ما أرأفه وأرحمه بأمته، ومن مظاهر اعتناء الإسلام بصحة الإنسان أنه نهاه عن الغلوِ في العبادات التي يؤدي الغلو فيها إلى انهاك الجسد والإضرار به، لأن العبادة لا بد أن يصيب الطمأنينةٍ وراحة وألا يسأم منها ولا يضجر منها، لكن إذا تكلف أمراً فوق طاقته وإن أطاقه أياماً تركه أعواما، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عبدالله بن عمر العاص رضي الله عنه يصوم النهار ويقوم الليل ويعتزل النساء رغبة في الطاعة ورغبة في الخير، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ;"يا عبدالله بن عمر ألم أخبر أنك تُصلي ولا تنام، وتصوم ولا تفطر، ولا تأتي النساء"، قال: ;نعم، قال: "لا يا عبدالله إن لنفسك عليك حقا، ولعينك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، صلي ونم، وصُم وأفطر"، هكذا أرشده رسول الله حاوله أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام فأبى إلا أن انتهى به إلا أن يصوم يوماً ويُفطر يوماً، وقال: "يا عبدالله لا أفضل من هذا الصيام"، فلما طال بعبدالله بن عمر بالسن وثقل الأمر عليه كان يصوم أيام يتركه ثم يقضيها ويقول يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لا أحبُ أن أدعُ أمراً كنت عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مظاهر عناية الإسلام بصحة الإنسان محافظته على البيئة وسلامتها من التلوث المؤذي للناس، فأولًا نهى رسول الله الإنسان إذا استيقظ من نومه أنَّ يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يُدخل يديه في الإناء، فقال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أن باتت يده"، ثم حرم على المسلم أن يبول في الماء الراكد الذي لا يجري، لأنه يُلوثه إمَّا ينجسه، أو يقذره عن الآخرين فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"، وقال: ;"لا يغتسل أحدكم بالماء الدائم وهو جنب"، كلُ هذا تحذيراً للمسلم من أن يُلوث هذه المياه العظيمة باغتساله فيها وانغماسه فيها، وإذا تكاثر الانغماس في هذه المياه قذَّرها وقززها في نفوس الآخرين، كما منعنا صلى الله عليه وسلم من إيذاء الناس فقال: ;"اتقوا اللاعنين الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم"، الإنسان أن يتخلى ويتغوط في طريق الناس أو ظلهم، وقال: "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الطريق البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل"، وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى سعد فقال: ;"إذا ورغ الكلبُ في إناء أحدكم فغسلوه سبعا إحداهما بالتراب"، إذا ورغ الكلبُ في إناء أحدكم فاغسلوه سبع إحداهما بالتراب، وحرم على المسلم من كل تعاطي ما يضر بالصحة من المشروبات والنجاسات والقاذورات مما حرم علينا (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ)، كل هذا حمايةً لبدن المسلم من الأوساخ والمحافظة على صحته وسلامته، فلا إله إلا الله كم في هذه الشريعة من خير للإنسانية في حاضرها ومستقبلها؟ نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأنَّ يصح أبداننا وقلوبنا ويُعذنا من نزغات الشيطان، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم. ; ; ; ; ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعد: فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى. عباد الله، وكما سمعنا عن صحة الأبدان والمحافظة عليها، فهناك المحافظة على سلامة القلوب، وحفظها من كل الضرر، لأن القلب ملك الأعضاء والجوارح فمتى استقام القلب استقامة الجوارح يقول صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها الجسد كله، وإذا فسدت فسد لها الجسد كله، ألا وهي القلب"، فقلب العبد إذا استقام وامتلئ إيماناً بالله، ويقيناً به، كان العبد في راحةٍ بال وانشراح صدر، وإذا مُرض القلب بالمعاصي أو مُرض بالأفكار والآراء المضللة، والمذاهب الهدامة التي تمرض قلبه، بأمراض النفاق والشكوك نعوذ بالله فهناك ويلات يقول الله في حق المنافقين: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)، فقلبك أيها المسلم، اعتني بها بسؤال الله أن يُثبتك على الحق وأن لا يُزيغ قلبك بعد إذ هداك واسمع الله يقول في دعاء عباده المؤمنين: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)، وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول: "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، تسأله عائشة فيقول: "إن قلوب عبادي بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا أراد أن يقلب قلب عبدي قلبه"، فعياذًا بالله من زيغ القلوب وتتابع الذنوب ومُظلات الفتن. أيُّها المسلم، وإن الإسلام اعتنى بقلب الإنسان فمنعه من كل ما يُفسد صحته ويُضعف سيره، فحرم عليه المسكرات والمخدرات، ومنعه من تعاطيها وحرمها عليها تحريماً مؤكدا يقول الله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)، فالخمر يُفسد العقل يُصوره ويُضعفه إلى الله، والميسر القمار يُضعف القلب أيضاً فيُعلقه بالدنيا ويمنعه من الأسباب النافعة التي يأتي الرزق ويجعل رزقه معلقاً بهذه المحرمات، نسأل الله السلامة والعافية، ومن مظاهر عناية الإسلام أيضاً بالصحة النفسية للمسلم أنه أرشده إلى الإيمانِ بالله، والإيمان بقضاء الله وقدره، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن رزق العبدِ مقدر كائن معروف لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملُ بالطلب. أيُّها المسلم، فإيمانك بقضاء الله وقدره يقتضي منك السير بما ينفعك والحرص على ما ينفعك (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، وعندما تفقد الآمل في أشياء ترجوها، وعندما لا تنجح في أمور تجارية أو أخرى، فلا تيأس ولا تقنط وواصل الجد بالجد، وارضى بما قسم الله، واعلم أن لله حكمةً فيما قضى وقدر لكن اليأس والقنوط ممنوع، كنُ عالي الهمة أبذل السبب والجهد وتحرى الأمور النافعة، وإذا فشلت فلا تيأس فربما فشل اليوم تُحققه مطالبك في يومٍ آخر، ولله الحكمة فيما يقضي ويُقدر، إيَّاك أن تكون قلقاً على مستقبلك ورزقك لا تكن قلقاً على مستقبلك، لا قلق ولا هموم على مستقبلك وعلى أجلك، فالكُلُ بيد الله، أمضي في طريقك وشق الطريق مع الاتزان في الأمور واستخارة الله قبل كل شيء، والاستشارة النافعة، والطمأنينة والأناءة في الأمور، والله على كل شيء قدير (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). أخي المسلم، أخي المسلم، إن الإسلام اهتم بصحتك النفسية، فحرم عليك ما يقتضي قلقك وهمك، حرم عليك الحسد فإيَّاك أن تحسد الآخرين فيما منحهم الله من النعم قال جل وعلا: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)، وذم الحاسدين فقال: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، فإيَّاك والحسد، إيَّاك وأن تهتم بما أعطي الناسُ من جاهِ أو مال أو ولد، أسأل الله أن يُعطيك مثلهم، وأن يمنّ عليك بخير من ذلك، فربك الرزاق العليم، لكن أن تحقد قلبك بالحسد والغيظ على ما بأيدي الناس من الخير، فذلك اعتراض منك على قضاءه وقدره، إيَّاك والتهور في الأمور والعجلة في الأحوال، فإنها تجذب لك الهموم والأحزان، إيَّاك والمكايد وتدمير الأمور بالمكايد التي تحاول إيصالها إلى الإنسان فيكون قلبك في ليلك ونهارك مشغولاً بالأفكار السيئة والأخلاق الرذيلة، يُحاول الانتقام من الناس، إيقاع الشر بين هذا وبين هذا، إيقاع الفتن بين الناس، إيقاع البلاء، وتدبير المكايد التي إذا فشلت عشت في غمٍ وحزن، فترفع عن تلك الأمور وأكثر من الدعاء، اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبُخل والجبن وغلبة الدين وقهر الرجال"، أسأل الله لي ولكم حياةً سعيدة، وقلوب مطمئنة، ونفوس صادقة، وأعمالاً صالحة، إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ. وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصَلُّوا رَحِمَكُم اللهُ على عبد الله ورسوله محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: ;(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل اللَّهمَّ هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللهمَّ وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَ الله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، اللهم أمده بعونك وتأييدك، وكُنَّ له عوناً في كل ما همه إنك على كل شيء قدير، وبارك له في عمره وعمله وألبسه ثوب الصحة والسلامة والعافية، اللهمَّ وفق ولي عهده نايف بن عبد العزيز لكل خير وسدده في أقواله وأعماله، وأعنه على مسئوليته إنك على كل شيء قدير(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). اللهم أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللهم أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللهم سقيا رحمة لا سقيا بلاء، ولا هدم، ولا غرق، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.