فضائل التقوى - 27-10-1433هـ

فضائل التقوىالخطبة الأولى ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد:فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، يقول الله جل وعلا مخاطباً عباده المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، في هذه الآية أمر من الله لعباده أن يتقوا في كل أحوالهم في سرهم وعلانيتهم، بأن ربهم خبير بأعمالهم، محيط بها لا يخفى على شيء في الأرض ولا في السماء: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، اتقوا الله فأمرهم بالتقوى في سرهم وعلانيتهم وفي كل أموالهم أن يراعوا، بأن يراعوا أوامر الله التي أمرهم بها، وحدوده، وشرعه، وهذه الآية أصل في محاسبة النفس، فإن المؤمن يحاسب نفسه، فإن رأى وقع في إثما ووقع في خطأ تدارك الخطأ والزلل، بالإقلاع من ذلك الذنب، والتوبة النصوح إلى الله، وتوبة العبد إذا تاب إليه، وإن أحس نقص أو تقصير في العمل فليستعن بالله، وليجد وليجتهد في إكمال ذلك النقص، وإصلاح ذلك العمل.أيها المسلم، وإن للتقوى آثراً عظيم على حياة المسلم، ولهذا فسر السلف التقوى: بأن حقيقتها أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقايةً بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، قال بعض السلف: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجوا بذلك ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف من عقاب الله، فتعمل بطاعة الله على نور وبصيرة ترجوا بذلك فضله ورحمته وكرمه، وتترك معصية الله على بصيرة تخاف من عقاب الله، فيحملك على فعل الأوامر طاعة الله ورسوله، وابتغاء مرضاته، ويحملك بالمعاصي خوف الله جل وعلا، وعلمك باطلاع الله عليك.أيها المسلم، ولهذه التقوى فضائل عظيمة، فأعظمها أن التقوى وصية الله للخلائق أجمعين: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ)، فوصية الله للجميع تقواه جل وعلا في السر والعلن،(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ)، فالكل تشمله هذه الوصية من الماضين والحاضرين أن يتقوا الله جلَّ وعلا، ونبينا صلى الله عليه وسلم أوصى أمته بتقوى الله قال العرباض بن سارية رضي الله عنه وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وزرفت منها الدموع، قلنا يا رسول الله: كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حبشيَّ، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ من بعدي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ"، وكان صلى الله عليه وسلم يوصي من طلب وصية بتقوى الله سأله رجل أي يا رسول الله: إني أريد أن توصني، قال: "أوصيك بتقوى الله"، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أمر أمير على سرية في الجيش، قال:"أوصاه في نفسه، وبخاصته وبمن معه بتقوى الله"، وقد بين الله في كتابه وصية الأنبياء إلى قومه وأنهم أوصوهم بتقوى الله قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ)، وقال عن هود عليه السلام: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ)، وقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ)، (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ)، (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ)، وإلياس يقول قال الله عنه: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ)، هكذا وصية الأنبياء لقومهم، كلهم أوصوهم بتقوى الله، فإن توحيد الله وعبادته هي قاعدة التقوى وأساسه.أيها المسلم، وهذه التقوى لها فضائل عديدة، فمن فضائلها: أنها من أسباب دخول الجنة قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: "تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ"، فتقوى الله وحسن الخلق من أعظم أسباب دخول الجنة، ومن فضائل التقوى: أنها تقي العبد عذاب الله يوم القيامة: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ)، ومنها: أن التقوى خير لباس: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)، ومنها: أن التقوى خير زاد تزود به العبد في حياته الدنيا قال تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، ومنها: أن التقوى علامة أولياء الله، وأهل طاعته، فهداية الله ليس بدعوة من أدعى، لَيْسَ الْإِيمَان بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي, وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْب وَصَدَّقَهُ الْعَمَل، فأولياء الله ليس لهم وصوف خاصة أو شعار خاص وإنما هي تقوى الله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ* لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).ومن فضائل التقوى: أن المتقون أكرم الخلق عند الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، فأكرمنا عند الله، وأقربنا إلى الله، إنما هم المتقون الذين اتقوا الله في سرهم وعلانيتهم.هذه التقوى تثمير أموراً عظيمة فمن ثمراتها: حصول المتقي على معية الله قال الله جلَّ وعلا: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)، فهو مع أولياءه بنصرهم وتأييدهم وحفظهم وكفايتهم: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)، وهذا من أعظم فضائل التقوى وثمراتها فهو الله معك في كل أحوالك، ومن ثمراتها: مغفرة الذنوب، والتوفيق لقول الحق: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، وأخبر أن التقوى سبب لمغفرة الذنوب، والتوفيق للعمل الصالح، ومن ثمرات التقوى أن الله يخلص المتقين من المضايق والشدائد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، ومن ثمرات التقوى: أنها سبب في خلوص المسلم من كل المضايق والشدائد: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)، ومن ثمرات التقوى: حصول العلم النافع قال الله جلَّ وعلا: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، ومن ثمرات التقوى: أن المتقي يقبل عمله بتوفيق الله لأنه اتقى الله في سره وعلانيته: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ)، ومن ثمرات التقوى: تسير الأمور: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)، ومن ثمرات التقوى: كفاية العبد وحفظه من مكايد الأعداء (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)، ومن ثمرات التقوى حصول البركة والخيرات والطمأنينة: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).فلنتقي الله عباد الله، تقواً في قلوبنا، وتقواً في ألسنتنا، وتقواً بجوارحنا، تقواً تصحبنا في كل شؤون حياتنا، وفي حركاتنا، وفي سكناتنا، لأننا نعلم أن الله مطلع علينا، وعالم بسرنا ونجوانا لا يخف عليه شيء من أمرنا، وقد حذرنا الله من نجوى السوء والتناجي بالسوء: (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، فتناجي المؤمنين، ومؤتمرات المؤمنين، واجتماع المؤمنين كله على خير والهدى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)، فالمسلم في خلواته، وفي علانيته تقوى تصحبه في كل ما يأتي ويذر، ولو حقها هذا الأمر المسلم لنال السعادة في الدنيا والآخرة، ونرجو الله أن يعيننا وإياكم على كل خير، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني إيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا واستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ;الخطبة الثانيةالحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ; أما بعدُ:فيا أيُّها النَّاس، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، أيها المسلم اتقي الله ربك في سرك وعلانيتك، في علاقتك مع ربك، وفي خلوتك، وفي علاقتك مع إخوانك وأقارب رحمك، وفي تعاملك مع زوجتك، وفي تعاملك في تجارتك فالصدق والأمانة تخلق بها في التعامل مع من تعامله، إن تعاملك مع إخوانك المسلمين بالصدق والأمانة دليلٌ على صحة تقواك، وأن في قلبك تقوى لله، فالصدق والأمانة لا يتحلى بها إلا المتقون.أيُّها المسلم، اتقي الله في كل أحوالك، وعلم أن الله مطلع عليك (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، اتقي الله في كل أحوالك، وجعل التقوى منهجك في كل أحوالك، فبتقوى الله تعظم أوامر الله بامتثالها ونواهيه باجتنابها، بتقوى الله تعظم حرمات الله، بتقوى الله تعظم شعائر الله (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)، بتقواك لله تحترم دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم، لأنك تعلم أن الله حرم عليك ذلك، فمن تقواك لله احترامك لدماء المسلمين، واحترامك لأموال المسلمين، واحترامك لأعراض المسلمين، بتقوى الله تبتعد عن الظلم، وتعطي كل ذي حق حقه، بتقوى الله تكون ذا أمانةِ وصدقِ ووفاء بالعهود، والتزام بالعقود فيما بينك وبين عباد الله، فتقوى الله في قلبك يقودك إلى كل خير، ويبعدك عن كل سوء.أيُّها الأب الكريم، اتقي الله في أبناءك، وبناتك، فأنت راعٍ والله سائلك عن ذلك، اتقي الله فيهم الجميع، ربِ التربية الصالحة، وكن أيضا قدوة حسنة، يتأس بك فالأبناء والبنات، إن رؤوا ذلك الأب أباً صالحاً، أباً تقيا مهذب القول، طيب السلوك، اكتسبوا من أخلاقه وقيمه، يراه الأبناء يتردد خمس صلوات للمسجد كل يوم فيقدوا به، يراه معهم طيبا، وقولا طيب، ولسان طيب، يرونه باراً بأمه، باراً بأبيه، باراً بأرحامه، محترم الكبير، راحماً للصغير، فيأخذوا تلك السيرة منه ويعملون بها فهذا حقيقة التقوى.اتقي الله أيها المسلم، في مسؤوليتك، وما أوكل إليك من مسئوليه، فاتقي الله وعامل من تحت يديك، بالصدق والأمانة والإخلاص، ولا تجعل أغراضك الشخصية أثراً في التعامل مع الآخرين، ارتقي دائما، التقوى والرحمة سواء فتعامل الجميع بتقوى الله.أيُّها المسلم، اتقي الله فيما أوكل إليك من عمل، وما أوتي إليك من مسئوليه، فإن تقواك بالله يجعلك تنفذ مشاريع الأمة، بإخلاص وأمانة وصدق، دون أن تأخذ رشوةً أو تتهاون أو تمال من يتهاون على ذلك، فمشاريع الأمة أمانة في عنق من تولى، يجب أن يتقي الله فيها، ويراقب الله فيها، ويؤديها على الوجه المطلوب، فمشاريع الأمة في طرقها وموانيها والسكك الحديدة وغير ذلك من مشاريع عامة وخاصة، يجب أن يحترم، ويجب عل عُهد بالمسئولية أن يتقي الله فيما يخطط وفيما ينفذ، ويراقب الله، ويعلم أن الله مطلع عليه، وأن أي مال دخل على خزينته من غير وجه شرعي فسيحمله أوزاراً يوم القيامة.فلنتقي الله في أنفسنا، وفي مصالح أمتنا، ولا نجعل الدنيا أكبر همنا، لا نجعل الدنيا السبب في تقاضينا وتهاوننا بمشاريع أمتنا، فالضرر ليس خاصاً الضرر عام، إخلالك بحق شخصي هذا شيء وشر؛ لكن إخلالك بالأمور العامة وأمور المجتمع يدل على ضعف الإيمان وقلة الإيمان.فلنتقي الله في أنفسنا، وفي تعاملنا، أيها المثقف رجل القلم الذي يكتب في الصحف إما أسبوعيا أو يوما إلى غير ذلك، اتقي الله فيما تحرر المقال وراقب الله قبل أن تكتب، هل هذا القول؟ هل هذه المقالة؟ هل هذه الأطروحة فيها خير للإسلام والمسلمين ومنفعة للأمة في الحاضر والمستقبل، أم فيها إثارة وتشكيك وأباطيل وغيبة، وقذف والتهام للآخرين بما ليس فيهم، فليتقي الله صاحب القلم، ليتقي الله صاحب القلم، تقواً يجعله حين يكتب، يكتب في إخلاص، يراقب الله في قوله، يراقب الله في فعله، إن المسلم متقي الله في بيته وسره ونجواه، يتقي الله فيما يقول وفيما يكتب ويذر، ولو حققنا هذا الجانب تحقيقا كاملا لكنا من السعداء، ونرجوا من الله أن يوفقنا جميعاً لتحقيق التقوى في قلوبنا حتى ننطلق من منطلق إيمان، من منطلق رحمة وشفقة، وإحسان ورحمة، منطلق العدل والإنصاف، بتعالم الشريعة الإسلامية فلا جور ولا ظلم، ولا أخذ أموال بلا حق، نتقي الله في أموالنا وفي مكاسبنا، فإن كانت جاءتنا الأموال جاءت من طريق مشروع لا غش ولا دلس، ولا رشوة فيه فنعم المال الرجل الصالح، وإن كانت رشوةً ومقتا ومساومة على مشاريع الأمة فذلك مكسب خبيث لا خير فيه يعقل على صاحبه الضر في دينه ودنياه وربما عوقب في إثمه، فليتقي الله في صحته وسلامته يسلط عليه الأمراض العظيمة ويلقى الله بهذه الأوزار العظيمة.فلنتقي الله، في أنفسنا ولنراقب الله أعمالنا، نسأل الله للجميع أن يجعلنا من المتقين إنه على كل شيء قدير.واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار.وصَلُّوا رحمكم الله على محمد بن عبدالله كما أمركم ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، الأئمة المهدين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين.اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا وفق ولاة المسلمين للخير والصلاح، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِالعزيزِ لكل خير، اللَّهمَّ باركه في عمره وعمله وألبسه ثوب الصحة والعافية في دينه وبدنه إنَّك على كل شيء قدير، اللَّهمّ وفقه للخير وجعله بركةً على مجتمعه ومجتمع المسلم، اللَّهمَّ وفق ولي عهده سلمان بن عبدِالعزيزِ لكل خير، وسدده في أقواله وأعماله، وأعنه على مسئوليته، إنَّك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.