فضائل العــدل

فضائل العــدل الخطبة الأولى ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين، ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها الناسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" . أيها المسلم، العدل قيام الحياة الإنسانية، ودعامة من دعائم بقايا الأمم، واستقرار الدول، وإشاعات الأمن والاستقرار في المجتمع، وقد سع الإسلام على تحقيق هذا العدل ودعا إليه من خلال تحكيمه وتشريعاته، والعدل من شراع الإلهية والعقول الحكيمة والفطر السليمة، وتمدح بالاتصاف به القادة والعظمى والملوك والسياسيون كل تمدح بالعدل سواء كان صادقاً في قوله أم غير صادق لكن العدل يراه محببا فيدعو إليه ويدعي الاتصاف به إلا أن الأعمال تكشف عن هذه الأقوال صدق أم غير صدق. أيها المسلم، وللعدل فضائل عديدة فمن فضائله أنه من صفة الرب جلَّ وعلا فهو صفة كمال تليق بجلال الله فهو أعدل العادلين، فعدل الله جلَّ وعلا هو أكمل العدل وأتمه، فلا يخشى عباده ظلما: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)، عدل في أحكام الدنيا وفي أحكام الآخرة، عدل في أحكامه الشرعية والقدرية، فجل ربا وتقدس إلها ومعبودا، ومن فضائل العدل أنه الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب قال الله جلَّ وعلا: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، ومن فضائل العدل محبة الله له: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، والعدل قرين توحيد الله، فأعظم العدل توحيد الله وإخلاص الدين له وإفراده بالعبادة، كما أن الشرك قرين الظلم: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومن فضائله علو منزلة صاحبه "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا"، ومن فضائله أن الله يظل يوم القيامة تحت ظل عرشه من قام به: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تحت ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ" وذكر منهم "إِمَامُ عَادِلَ"، ومن فضائل العدل أنه سبب استقرار الأمم وقيامها وانتظام حياتها، فلا انتظام لأي أمة إلا إذا كان العدل سائداً لها، فإن العدل ولو تخلله بعض الآثام خير من ظلم وإن سلب كثير من الآثام، فالعدل سبب للاستقرار والخير والظلم سبب لانتزاع البركة وحلول المصائب. أيها المسلم، وإن العدل عام في جميع مجالات الحياة يتعلق في الفرد والجماعة، للفرد في كل أحواله سوا مع ربه أو مع نفسه أو مع الآخرين، وقد أمر الله به بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، فيعدل الإنسان في نفسه ويعدل فيمن ولي ويعدل فيما أؤكل من مال من قضاءٍ أو حسبةٍ أو إشراف على أموال أيتام أو على أوقاف ووصايا أو على غير ذلك ملتزماً بالعدل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، ومن مجالات العدل، العدل في الأقوال يقول الله جل وعلا أمرنا أن نلتزم بالعدل في أقوالنا قال جل وعلا: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) وقال عباد بن الصامت رضي الله عنه: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأن نقول العدل أين كنا لا نخشى في الله لومة لائم. أخي المسلم، كن عادلاً في أقوالك، ولا تخرج عن العدل في أقوالك، كن عادلاً في أقوالك فقل القول العدل، فإن خلاف العدل الكذب، فحذر الكذب الافتراء وأن تنسب إلى إنسان ما لم يقل وأن تتحدث بكل ما سمعت وأن تضخم الأمور وتصف بغير وصفها وأن تقول الباطل وتنشره، بل قل الحق ودع إلى الهدى، وأحذر أخي زلات اللسان، فإن العدل يفرض عليك أن تتقي الله فيما تقول وفيما تنسب للآخرين وفي حكمك على الآخرين، أحذر نشر الإشاعات الباطلة، وأحذر أيضا أن تنشر الفاحشة وتروجها بأقوالك (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، كن عدلاً في أقوالك ولو مع خصومك ولو كان من تتحدث معه منكرها أو منحرفا فخذ الحق ممن جاء به ورد الباطل ممن جاء به ولكن التزم العدل فلا تجر في قولك ولا تجاوز الحد في ذلك. أخي المسلم، ومن مجالات العدل أن يكون الشهود قائمين بشهادتهم حق القيام لا يمارون فيها ولا يجاملون فيها بل يشهدون بالحق (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، قال جلَّ وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)، فكن عدلاً في شهادتك تؤديها كما تحملتها لا تراعِ فقيراً لفقره، ولا غنِ لغناه ، ولا قريباً لقرابته، بل تشهد بالحق ولو كان على نفسك ولو كان على أقرب الناس إليك كما قال الله جلَّ وعلا: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)، ليكن متحمل الشهادة أهل عدالة قال جلَّ وعلا: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ)، وأمر بالعدل في كتابة الحقوق والمواثيق قال جلَّ وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ) بالعدل فكتابته عدل لا يخشى ضرر في المستقبل لا على صاحب الحق ولا على من له الحق، ومجال الشهادة العدل في الحكم قال جلَّ وعلا: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)، وقال: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، ومن مجالات العدل أن الله أمر به المسئولين والولاة عموما فإنهم مأمورون بالعدل في رعيتهم ويحذرون من الغش يقول صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ راع يَسْتَرْعِيهِ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِها إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَيْهِ" حثاً له على العدل واختيار من في أهل لذلك ولا يقدم بالمسؤوليات إلا من يعلم أهليته في القيام بما أوجب الله عليه، ومن مجالات العدل أن أمر بالعدل حتى في جزاء الصيد قال جل وعلا: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ)، فإذا كان هذا العدل مطلوب في حكم جزاء الصيد فكيف بالحكم في التقديرات العامة والمصالح العامة التي تتعلق بالفرد والجماعات، إذ العدل واجب على المقدرين والمحكمين أن يكونوا أهل عدل فيما يحكمون ويقدرون فإن الله سائل كلٌ على عمله، ومنها أن الله جلَّ وعلا أمر بالعدل نبيه صلى الله عليه وسلم فقال الله عنه: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ)، ومن مجالات العدل، العدل مع الخصوم العدل مع الأعداء مهما كانت عداوتهم قال جلَّ وعلا: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) فتلزم العدل مع المؤمن، وتلزم العدل حتى غير المؤمن، فلا تظلم أحدا ولا تجر على أحد بل العدل مطلوب منك مع المؤمن أخيك، ومع عدوك أن تحكم بينهم بالعدل والقسط وتؤدي الواجب عليك، بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن رواحة إلى خيبر ليقدر النصيب الذي محدد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتاهم أرادوا أن يرشوه ويعطوه ما يعطوه لعله أن يجور معهم ويميل معهم ولعلى الدنيا تصرف إيمانه وتطوي على تقواه ولكن إيمانه أرسى من الجبال الراسية، فلما عرضوا عليه ذلك قال لهم: والله يا معشر اليهود إنكم لتعلمون أنكم أبغض إلي من عددكم القردة والخنازير وأن محمداً أحب إلي من سائر خلق الله فما حب له وما بغض لكم أن أجور معكم فيما أقدر، قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، ومن العدل أيضاً عدل الأب مع أبناءه ذكوراً وإناثا في هباته وعطياته وإكرامه وتقديره يقول صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بين أَوْلاَدِكُمْ"، ولما أراد أحد الصحابة أن يشهده على شيء فضل به بنيه على بعض قال: إني لا أشهد على جور، وقال أشهد على ذلك غيري دعوة للعدل بجميع الأمور، ومن مجالات العدل أيضا أيها المسلم ومن مجلات العدل أن تعدل في أمورك كلها في غضبك ورضاك فلا يحمل عليك الغضب على الجور، ولا الرضا على الجور بل كن عدلا في جميع أمورك. أمة الإسلام، إن لأعداء الإسلام بنشر باطلهم وترويج ضلالتهم مسالك شتى وأمور مختلفة فقد يعمدون على لفظ شرعي محبب للنفوس من دعا الحريات أو العدل أو المساواة يروجون بها الباطل ليدحضوا به الحق ولكن يأبى الله والمؤمنون، فمن أساليبهم ومكرهم الخداع أنهم يرون لاسيما دعاة حقوق الإنسان أحيانا وربما أظهر شيئا ممن يدعون حفظاً لحقوق الإنسان ولو كان بها مخالفة لشرع الله زاعمين على استدراك هذه الشريعة، زاعمين نقصها وقصورها فيأتون مثلا لتسوية بين أمرين مختلفين فإن الله جلَّ وعلا جعل التكاليف الشرعية للرجال والنساء الأوامر الشرعية والنواهي، لكن لنساء خصوصيات، وللرجال خصوصيات يجب أن يوقف عندها، ويقولون لماذا فرق الإسلام بين المرأة والرجل في الدية، وبيتها وبين الرجل في الميراث، وبينها وبين الرجل في القوامة، وبينها وبين الرجل في الطلاق يردون أن يساوى بين الجميع في كل الأحوال ويأبى الله ذلك والمؤمنون، ثم يأتون لقائل الحرية فيقولون إن من العدل إعطاء الناس حرياتهم وما هذه الحريات يقولون إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في الحياة الشخصية، تدخل في خصوصيات الإنسان، تدخل في خصوصيات الفرد فدعوا الناس كما يشاءون ويفعلون ما يشاءون لا تأمروا ولا تنهوا ولا تغيروا منكراً ولا تأمروا بمعروف لأنها هذه الحرية هو العدل كما يزعمون ويأبى الله والمسلمون ذلك، فإن أمة الإسلام أمة تأمر بالخير وتنهى عن الشر: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ،) يأتون إلى المعاملات السيئة فيقولون إن انتشار الربا وغش وهو وسيلة لرحمة الناس والإحسان إليهم وقضايا حاجاتهم وهو يظلمون الناس بهذه المعاملات الربوية الظلمة الجائرة التي يكون الإنسان فيها رهناً في أياديهم ملكه وماله تحت تصرفهم في ظلم وعدوان واقتطاع مال بلا حق فهو من الظلم العظيم. فيا أيها المسلم، لنلزم العدل في أقوالنا وأفعالنا وتصرفاتنا فإن العدل نجاة والظلم جور. أيها المسلم، فلزم العدل واتقي الله في نفسك وراقب الله في أقوالك وأفعالك، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا واستغفرٌ الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ;أما بعدُ: فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، أخي المسلم، إن العدل خلق كريم فتحلى به أخي المسلم في كل أحوالك في عباداتك ومعاملاتك وعلاقتك مع الآخرين، كن عدلاً في معاملتك مع ربك، فإن أعظم العدل أن تؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا رسولا، أعظم العدل أن تخلص لله أقوالك وأعمالك، أعظم العدل أن تفرد الله بجميع العبادة وأن لا تدعو مع الله غيره لا تشرك معه أحداً غيره في دعاء ولا في رجاء ولا باستغاثة ولا في ذبح ولا نذر بل يكون قلبك متعلق بالله، لعلمك الحق أن النفع والضر بيد الله، وأن دعا غير الله والتعلق بغير الله لا يفيد شيئا: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ*وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) فليكن قلبك متعلق بالله محبةً وخوفاً ورجاء معتقدا أنه لا رب غير الله يعبد، وأن العبادة في جميع أنواعها يجب أن تكون لله وحده لا شريك له في ذلك، أحب محمداً صلى الله عليه وسلم ومن العدل إتباع سنته وتحكيم شريعته والاقتداء به في الأقوال والأعمال (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)، أتقي الله في نفسك، وعدل في تعاملك مع نفسك تحملها على طاعة الله لتزكيها وتخلصها من عذاب الله (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) وفي الحديث: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا"، لا تهملها فتصلا عذاب الله، ولا تكلفها ما لا تطيق ولكن العدل في ذلك بين الغلو والجفاء. أخي المسلم، كن عدلاً في تعاملك مع إخوانك المسلمين تحب لهم ما تحب لنفسك، وترضى لهم ما ترضى لنفسك وفي الحديث: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فلتأتيه مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَليَأْتِى إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ" كما تحب من الناس أن يعاملوك به فعاملهم بمثل ما تحب أن يعاملوك به هذا هو العدل لا تطلب منهم شيئا وأنت تعطي شيئا، تطلب أن يعدلوا معك ولا يكذبوا عليك ثم أنت تكذب وتخونهم، لابد أن تعدل فيما تريد من الخلق فعاملهم بمثل أن يعاملوك به. أخي المسلم، كن عدلاً في بيعك وشراءك، فإن بعضاً من الناس يخالف ذلك الهدي فإن جاءه من يناقشه ويعلم قيمة السلعة ويدقق عليه أعطاه بسعر، وإن جاءه إنسان غافل يغتر بكلامه ويصدقه فيما يقول أعطاه سعر أعلى من ذلك وقال هذا حقها وهذا ثمنها الصباح يبيعها بألفين والمساء يبيعها بثلاثة آلاف، الأول قادر على المناقشة والخبرة فيعطيها بقدر مناسب، والآخر جاهل في ذلك ربما يخدعه ويغتر به ويصدق أو يكيله في نفسه لكنه يغشه فيعطيه ثمنه غير الثمن الذي باع للآخر، وهذا بلا شك أنه خلاف للعدل، أعدل بين أولادك فلا يظهر منك ميول أحدهم على الآخر، وإن يكون في القلب شيء من ذلك لكن في الظاهر أشعرهم بأنهم أبناءك وأنت أبوهم لا فرق بين كل منهم على الآخر هذا هو العدل الذي تجتمع الكلمة وينقطع دابر الشر والفساد. أيها المسلم، أيها القاضي الشرعي، كن عدلاً في قضاءك فيرتاح الخصوم منك تأخذ كل منهم حجته، ومن كل ما يقول ثم أحكم بالعدل متقي الله معطياً كل ذي حق حقه. أيها المحقق في الحوادث، والجنايات والأشياء المختلفة مالية أو إدارية، كن عدلاً في تحقيقك فلا تجر ولا تظلم ولا تحمل على أحد كرهاً بظلم وتعسف بل اتقي الله، وأعدل في تحقيقك،. أيها المحامي المسلم، اتقي الله وأعدل في محاماتك، ولا تكن جائراً لا تحمل محاميك لا تحمل وكيلك لا تحمل من وكلته على الظلم والعدوان بل كن عدلا في عرضاً للقضية عدل تخاف الله وتتقيه فإن يكن الحق فالحمد لله، وإن يكن لغيرك فاقتنع لذلك، وإياك الجدل والمراء، وإياك أن يحملك حب الدنيا أو تجعل موكلك أنت تحامي عنه الباطل أو تجادل بالباطل : (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) كن أيها المسلم، عدلاً في كل أمورك كلها في تعاملك مع الجيران والأرحام والأقارب والزملاء. أيها المسئول، إنك مسئول أمام الله عمن تحت يديك من الموظفين فكن عدلاً فيهم بإعطاء حقوقهم وكفاياتهم وعدم الميل دون أحد على الأخر كن عدلا في ذلك وأعطي كل ذي حق حقه، رجل الأعمال كن عدلا مع عمالك ومسئوليك أعطهم حقوقهم المتفق عليها وإياك والمماطلة، وإياك والظلم والجور، وعامل مكفولك أيضا بالمعاملة الحسنة هذا الواجب على الجميع، فالعدل مطلوب منا في أنفسنا وفي أهلينا وكل من تولينا على عمل فإن العدل سبب لانتظام الأمة وسلامتها وقناعتها وسعادتها في الدنيا والآخرة، نسأل أن يوفقنا لذلك في أنفسنا وفي مجتمعنا، وأن يوفق قادتنا وولاة أمرنا بما فيه خير الأمة وصلاحها واستقامتها إنه على كل شيء قدير. أيها المسلم، قد تناقش قضية من القضايا، وتقرأ ما يقال وتنال قضية من القضايا، أيها الكاتب عندما تنقش هذه القضية مع شخص آخر فاتقي الله وجعل نقاشك منصباً على بيان الحق وعلى توضيح الحق لا على التجريح والتشنيع وكيل الكذب والأباطيل والتدخل في النيات، وإنما عليك أن تقش هذه القضية بعدل فتوضح الحق وتبين الباطل والخطأ بأسلوب حكيم يكون سبباً لاستقامة من تناقشه، أما الجدال والمراء والدفاع عن الباطل بلا حياء ولا خجل فهذا ليس من خلق المسلم، خلق المسلم حب الخير والسعي له والعدل في كل الأحوال، زودنا الله وإياكم بالتقوى وحفظنا الله وإياكم من كل سوء إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على محمد صلى الله عليه وسلم امتثالاً لأمر ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهدين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، ونصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمَّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللَّهمَّ وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، وأمده بالصحة والسلامة والعافية وكن له عونا ونصيرا في كل ما همه، وجعله بركة على نفسه وعلى مجتمعه وعلى المسلمين إنك على كل شيء قدير، اللَّهمَّ وفق ولي عهده نايف بن عبد العزيز لكل خير وسدده في أقواله وأعماله، وأعنه على مسئوليته إنك على كل شيء قدير،(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، اللَّهمّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنَّزل علينا الغيثَ، واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك، وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللَّهمَّ أغثتنا، اللَّهمَّ سقي رحمة لا سقي بلاء ولا هدم ولا غرق، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.