فضائل الوفاء بالعهود ومجالاته - خطبة الجمعة 17-05-1434هـ

الخطبة الأولى ; ; ; ; ; ; ; ; ;إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; ; ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، إن من الأخلاق الجميلة، والخصال الحميدة، التي أمر الله بها ورغب فيها الوفاء بالعهود، والوفاء بالعهد ضد الغدر والكذب والخيانة، وفي الوفاء بالعهود تآلف القلوب وتقوية الأواصل بين الأمة المسلمة، وإثبات محاسن الدين وفضائله لغير المسلمين، ليعلموا هذا الدين حقا وما اشتمل عليه من أخلاق وفضائل، وقد جاءت النصوص في كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم تحث على الوفاء وتوجبه، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وجاء في السنة أن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان كان بينه وبين الروم عهدٌ فكان يسير في بلادهم فإذا انقضى العهد أغار عليهم، فجاء يوم رجل على فرس ينادي: الله أكبر، الله أكبر وفاء لا غدر، فإذا عمرو بن عبسة فسأله معاوية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَشُدُّ وثاقاً وَلاَ ينقضه حَتَّى تنتهي المَّدة أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ". أيُّها المسلمون، وللوفاء بالعهد فضائل عظيمة ومناقب كثيرة،: فأولا: أن الوفاء بالعهد صفة من صفات ربنا جل وعلا، فقد أخبرنا في كتابه: (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، قال الله في دعاء المؤمنين: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، وقال جل وعلا: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ). وثانيا: أن الوفاء بالعهد خلق أنبياء الله المرسلين قال جل وعلا: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، وقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً) الآية. ومنها: أن الوفاء بالعهد خلق أهل الإيمان الموعودون بالفردوس الأعلى، قال جل وعلا: (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) إلى أن قال: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). والوفاء بالعهود صفة الصابرين الصادقين: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ). والوفاء بالعهد أيضا: خلق ذوي الألباب: قال جل وعلا: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ). ومن الوفاء أيضا: أن الوفاء بالعهد سبب للأجر العظيم، قال جل وعلا: (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً). ومنها: أن الوفاء بالعهد سبب لدخول الجنة، يقول صلى الله عليه وسلم: "اضْمَنُوا لِي سِتًّا أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَحَصَّنوا فُرُوجَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ". ومنها: أن إخلاف الوعد من خصال المنافقين، كما قال صلى الله عليه وسلم: "آيَةُ الْمُنَافِقِ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ". أيها المسلمون، الوفاء بالعهد شامل لما بين العبد وربه، وما بينه وبين عباد الله، والوفاء بالعهد مجالاته واسعة وعديدة تشمل مصالح الدنيا والآخرة، فمن الوفاء بالعهد: أولا: أن توفي بعهد الله الذي عاهد الله عليه لأن الله أخذ من ذرية بني آدم العهد في صلب أبيهم بعبادته وحده لا شريك له، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)، وقال جلَّ وعلا: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)، لأن الله خلق الخلق لعبادته: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، وأرسل الرسل ليقوموا هذا التوحيد للناس ويوضحوه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وفطر الخلق عليها الحديث: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ". ومن مجالات الوفاء بالعهود: الوفاء بقضاء الحقوق المالية، كقضاء الدين، فإن الوفاء به واجب، والتخلف عن ذلك خطأ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قضاء الدين، ويحذر من الدين ويرغب في قضائه، حريص على قضاء الدين بعون الله تعالى، وكان يمتنع من الصلاة على من عليه دين حتى يضمن أحد القضاء عليه، هذا في أول الإسلام حثا للأمة على أداء الحقوق، يقول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ"، وحذرنا صلى الله عليه وسلم من المماطلة بالحقوق مع القدرة في ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: "لَىُّ الْوَاجِدِ ظلم يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ"، وقال: "مَطْلُ الْغَنِىِّ ظُلْمٌ". ومما يجب والوفاء بالعهد به: ما بين الزوجين من شروط عندما تشترط الزوجة أو أولياءها أو الزوج عند عقد النكاح، فلابد للزوجين من القيام والالتزام بهذه الشروط، فإنها من الشروط المهمة يقول صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ"، فالشروط بين الزوجين يجب الوفاء بها ما دام شروطا توافق الشرع ولا تخالفه. ومما يجب الوفاء به ما بين الزوجين من تعامل طيب وخصال طيبة، فالزوج لا ينسى فضائل امرأته، ومحاسنها، وأخلاقها، يتحدث بذلك، والمرأة أيضا كذلك قال الله جلَّ وعلا: (وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ). ومن العهود التي يجب الوفاء بها: حقوق العمال، والمستأجرين، فيجب على رب العمل أن يعطي العامل حقه كاملا، في وقته وبقدره، وأن لا يضايقه، وأن لا يحمله التنازل عن ; حقه؛ بل يعطيه حقه كما أتفق معه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، فالعامل له حقه أن تعطيه أجره كاملة من غير نقص في وقتها المحدد والزمان المتفق عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أَعْطُوا الأَجِيرَ حقه قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ"، وجاء في الحديث أنَّ الله يقول: "ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ"، فهولاء توعدوا بهذا الوعيد الشديد، الله خصمهم يوم القيامة، فرحم هذا العامل وأعطي حقه كاملا، وإياك والإضرار به والمماطلة بحقه، وحمله على خلاف ما اتفقت عليه، فإن هذا غش وخيانة، كما أن على العامل واجبا أن يوفي العهد الذي عليه، فيؤدي العمل تاما كاملا من غير نقص: "فمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"، والله يحب من العامل إذا عمل عملا أن ينقينه. ومن الوفاء بالعهد أيضا: وفاء الرعية بما التزموا به من طاعة ولي أمرهم، والسمع والطاعة له، والبيعة الشرعية التي أخذت عليهم جميعا بالسمع والطاعة لولي الأمر بالمعروف، فإن الله جل وعلا أمرنا بطاعة ولي أمرنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)، فبيعتنا لولي أمرنا تقتضي وجوب السمع والطاعة بالمعروف، وعدم الخروج وعدم التأليب عليهم، وأن نسمع ونطيع، ونسعى في جمع الكلمة، وتأليف الصف ووحدة الهدف، دون أن نحث ما يسبب الفوضى والبلبلة فإن هذا خلاف الشرع، فالبيعة يجب الوفاء بها، يقول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَايَعَ أميراً فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ أحد يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَه بالسيف كائنا من كان"، وذم قوما بايعوا أميرهم بمصالح الدنيا فإن لم يعطيهم مصالح الدنيا خرجوا يقول صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ نادى على سِلْعَةً بَعْدَ الْعَصْرِ لقد أعطي فيها كذا وكذا وليس كذلك، وَرَجُلٌ بَايَعَ أمير الدنيا فإن وَفَى لَهُ وفي له، وإلا لَمْ يَفِ"، هذا خطر عظيم،لأن البيعة واجبة، وأن لا نصغي إلى آراء المغرضين، والمشوشين، وأرباب الفتن، ودعاة السوء الذين لا يبالون بالأمة ولا ينظرون إلى عواقب الأمور، وإنما يريدون التصيد الأخطاء وتشيد الأخطاء والتغافل عن الحسنات والفضائل. ومما يجب الوفاء به التزام ولي الأمر حقوق الرعية التي التزم بها وأخذ البيعة على ذلك، فواجب السعي فيما يصلح الأمة والرفق بها، والإحسان إليها والشفقة إليها، والسعي فيما يحقق مصالحهم في دينهم ودنياهم. ومن العهود التي يجب الوفاء بها: الوفاء بالنذر، فإن النذر يجب الوفاء به، لاشك أن النذر تركه أولا، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: "إِنَّهُ لاَ يَأْتِى بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ"؛ لكن من نذر نذرا وهو نذره طاعة لله وجب الوفاء به، يقول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِىَ اللَّهَ فَلاَ يَعْصِهِ"، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً). ومن العهود التي يلزم الوفاء بها: ما بينك وبين التعاون مع الإخوان من شروط في العقود والمبايعات، أو الإيجار، أو تنفيذ أي مشروع فإن الواجب الوفاء ففي الحديث: "الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أو حَرَّمَ حَلالا". ومن العهود التي يجب الوفاء بها: ما يلزم المسئولين عن أي مصلحة من مصالح الأمة، أن يقوموا بواجبهم، وبمسئوليتهم بأمانة، وإخلاص، وصدق، وقيام بالواجب، واعتقاد أن الله سألهم عن مسئولياتهم، أقسموا عليها وأدوا القسم على ما التزموا به، فواجبهم القيام بهذه المهمة بصدق وإخلاص، وتقرب إلى الله. ومن المعاهدات التي يجب الوفاء بها: ما بين الدول مع بعضهم بعضا، والشعوب والأمم، فيجب الوفاء بالعهود والتزامها. ومن العهود التي يجب الوفاء بها أيضا: رعاية الذميين والمستأمنين دمائهم وأمواله وأعراضهم، فمتى أعطوا الأمان وجب أن نوفي حقهم، فلا نظلمهم في أموالهم ولا أعراضهم ولا دمائهم يقول صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ". ومما يجب الوفاء به أيضا: ما يلتزم من ينفذ مشاريع الأمة في كل المشاريع الذين ينفذونها ويلتزمون بها، أن يتقوا الله فيما ينفذون، وفيما أخذوا عليه من العمل أن ينفذوا المشاريع كلها بصدق وأمانة، التزاماً للوقت وتحليا بالدقة، وتطبيق الموصفات المطلوبة، وأن لا يغشوا، وأن لا يخدعوا وأن لا يتلاعبوا، ومن تولى مشروعا فليباشر بنفسه وليتوله بنفسه، وليكن مشرفا عليه، وليحذر هذه العقول الباطنة التي تضعف شأن المشروع وتجعله يترامى بين فلان وفلان حتى يؤدى على ضعف، وهذا كله خطأ؛ بل يجب الوفاء بالمناقصات وتطبيقها لاسيما مشاريع الأمة العامة في طرقها وأماكنها، فيجب أن تطبق الموصفات تطبيقا صحيحا بصدق وأمانة، لأن هذا هو المطلوب، لأن الخيانة في ذلك خلاف وخيانة للعهود، والله جل وعلا يقول: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)، فلابد لمن ينفذ مشاريع الأمة أن يكونوا أهل صدق وأمانة وإخلاص ومراقبة لله، وخوفا من الله، لا يهمهم أن يخدعوا الأمة ولا يخدعوا الناس؛ بل يجب أن يكونوا مستشعرين بأن الله مراقب لأحوالهم، عالم بسرهم وعلانيتهم، وأن أي مشروع نفذ على خلاف الموصفات المطلوبة، وعلى خلاف الواقع أن هذه خيانة للعهد ونقض للأمانة دليل على فساد القلب وسوء الضمير، فالواجب تقوى الله، إن المشاريع إذا وكلت لأي جهة ما من الجهات يجب أن تنفذ تلك الجهة وأن تتولها بنفسها وأن لا تكلها إلى فلان وفلان، فمن الأخطاء أن تكون هذه المشاريع دوال بين فلان وفلان، جهة أولى ثم ثالثة ثم تضعف هذه المشاريع ويدب فيها النقص والخلل من حين ما تنفذ لأن الأمانة ضعفت وأن المنفذ الأول لم ينفذ الأمور؛ بل أخذ نصيبه من المصلحة ووكلها إلى غيره وقد وكلَّ إلى من هو أقل منه علماً وفضلا وتنفيذاً هذه كلها أمور لا تجوز؛ بل يجب الصدق والأمانة والعدل وتحري الدقة في مصالح الأمة لأن هذه مصالح الأمة لو خنت شخصا واحداً خنت فرد، لكن أن تخون الأمة في مشاريعها وفي مصالحها العامة والخاصة فتلك خيانة لا تغتفر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني إيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا، واستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; الخطبة الثانية الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ;أما بعدُ: وقد سمعنا فوائد الوفاء بالعهد، وأضرار عدم تنفيذ العهود والعقود الشرعية لنعلم: أولا: أن الله جل وعلا شرف نبيه صلى الله عليه وسلم ووجب له على أكمل الأخلاق وأفضلها: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فهو صلى الله عليه وسلم خير الناس وفاءًا بالعهود فيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين أقاربه، وفيما بينه وبين أصحابه، وفيما بينه وبين أعداءه أيضا، فصلوات الله وسلامه عليه، أما مع ربه فإنه صلى الله عليه وسلم كان أتقى الناس بالله، وخوفا من الله جل وعلا: "إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ"، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بما أوجب الله خير قيام فيما بينه وبين ربه، قام الليل حتى تفطر قدماه تسأله عائشة وقد عفر الله لك، قال: "ألا أكون عبدا شكورا"، وكان صلى الله عليه وسلم أميناً فيما أوتمن عليه من تبلغ رسالات الله امتثالا لقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)، فدعا إلى الله حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، واستشهد بالخلق يوم عرفة على أنه بلاغهم رسالات ربهم فقالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَرفع أِصْبَعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وقال: "اللَّهُمَّ اشْهَد"، صلوات الله وسلامه عليه، كان تعامل مع أهله تعامل المروءة والشهامة والأخلاق الكريمة، فكانت زوجته خديجة أول امرأة تزوجها قبل أن يوحى إليه، وأنها رأت في أخلاقه الكريمة وسيرته النبيلة، ما دعها إلى أن خاطبته لنفسها، فكانت خير وعون على الطاعة تحملت معه أعباء الدعوة في أولها، تضمد الجراح، وتواسيه وتعينه، وتسليه، وتخفف آلامه وأحزانه رضي الله عنها وأرضاها، أكرمها فلم يتزوج معها غيرها وكان يذكر فضائلها ويذكر محاسنها حتى قالت له عائشة ما هذه خديجة؟ قال: "كَانَتْ وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ"، وكان يكرم صديقاتها ويواسيهم تستأذن عليه أختها فيرتاع ويقول: "اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"، وكان يذبح الذبيحة فيبعث لصديقة خديجة من هذه الذبيحة إكراما لها، ومواساة لها، وعدم نسيان فضائلها، كذلك إكرامها لعائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عرف لها فضلها ولأبيها ولأهل بيتها، فكان في آخر أسبوع حياته جمع زوجاته وأستأذنهن جميعا أن يمرض عند عائشة وأن يبقى عندها تلك الأيام في آخر حياته عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وكانت أصغرهم سننا إذ ذك عمرها لم يتجاوز الثامن عشر من عمرها، مات النبي وهو على صدرها مات بين حاقنتها وذاقنتها تقول رضي الله عنها: دخل علي عبدالرحمن بن أبي بكر ومعه سواك فرأيت النبي ينظر إلى السواك فأخذت السواك وتطيبته فستاك به النبي ; فما رأيت إستاك سواك أفضل منه، ثم رفع بصره إلى السماء وقال: "اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى، اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى، اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى" صلوات الله وسلامه عليه. ومن وفاءه صلى الله عليه وسلم: وفاءه لأقربائه حرص على هدايتهم، ودعوتهم إلى الله يناديهم يا معشر قريش، ويا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة رسول الله: "لا أغني عنكم من الله شيئا"، يدعوهم إلى الهدى كما أمره الله: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)، لما مرض عمه أبو طالب الذي كان يؤويه وينصره ويدافع عنه أتاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " يا عَمِّ قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ"، فقال أبو جهل وعبدالله بن أمية أترغب عن ملة عبد المطلب، فأعاد النبي وأعادوا كان آخر ما قاله أبو طالب هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال صلى اله عليه وسلم: "لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فأنزل الله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى). ومن وفاءه مع أصحابه: حب أصحابه والرفق بهم والإحسان إليهم، قسم صلى الله عليه وسلم غنائم حنين وأعطى المؤلفة قلبوهم ولم يعطي الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم فجمعهم وقال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي، أَلَمْ أَجِدْكُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بي، أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألفكم اللَّهُ بي" فكلما قال شيء، قالوا: الله ورسوله أمن، قالوا: "لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ جئتنا مُكَذَّباً فَصَدَّقْنَاكَ وَطَرِيداً فَآوَيْنَاكَ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أتَرْضَوْنَ أَنْ يَرجع ; النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالبعير وَتَرجعون بالنبي إِلَى رِحَالِكُمُ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِي الأَنْصَارِ وشِعْبَهُمْ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار، الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ"، قال: فسكت القوم حتى أخضلوا لحاهم، هذا الوفاء وهذه الكرامة ومعرفة الحقوق فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين. أما وفاءه مع أعداءه فإن يوم الحديبية اتفق مع كفار قريش على أن من أتى محمدا من أهل مكة مسلما ردوه إليهم، ومن أتاه من المدينة مرتدا لم يردوه، فكان شرطا قاسيا على المسلمين؛ ولكن الله جعل له فرجا ومخرجا، فسمع أناس من أصحابي النبي بهذا فكانوا في المرصاد لقريش يغدون عليهم ويهددون مصالحهم فلما رأت قريش أن الأمر شديد طلبوا من النبي أن يسقط هذا الشرط فكان إسقاطه من طريقهم لا من طريقه لأنه صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على الوفاء بالعهود والعقود صلوات الله وسلامه عليه وصدق الله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على محمد بن عبدالله كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين، الأئمة المهديين أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ أمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا ولاة أمرنا، اللَّهمَّ وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ أصلح قادة الأمة وامنحهم التوفيق والسداد، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بنَ عبدِالعزيزِ لكل خير،اللَّهمَّ أمنحه الصحة والسلامة والعافية، اللَّهمّ كن له عونا ونصيرا في كل ما أهمه، اللَّهمّ وفقه للعمل بالحق ووفقه التزامه، ; اللَّهمّ أره الحق حقا ورزقه اتباعه، وأره الباطل باطلا وجنبه اجتنابه ودله على كل عمل تحبه وترضاه، اللَّهمَّ شد عضده بولي عهده سلمان بن عبدالعزيز وسدد في أقوله وأعماله وأعنه على مسئوليته إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، اللَّهمَّ أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللّهمَّ سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم لا غرق، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.