مظاهر الأدب مع الله

الخطبة الأولى ; ; ; ; ; ; ; ; إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلَّى الله عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين، ; ; ; ; أمَّا بعد: فيا أيُّها النَّاسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، عباد الله، منزلة الأدب من أعظم المنازل والمقامات، وأعظمها شأننا وأكبرها قدرا، إذ هي جامعة لخصال الخير من كل قول وفعل حسن، وأعظم الأدب وأجله، الأدب مع ربنا جل وعلا، وكل أدب دونه فالأمر يسير، وإذا خلى العبد من التأدب مع الله لم يكن له أدب صحيح نافع في أي مجال من المجالات، فالأدب مع الله أصل كل خير وأساسه، ولهذا الأب فضائل عديدة، فمن تأمل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رأى لهذا الأدب منزلة في الإسلام. فأعظم فضائل الأدب مع الله: تجد التوحيد له جل وعلا بأن تفرده بجميع العبادة وتعتقد حقا أن الله وحده المعبود بحق وأن كل ما سواه بالباطل عبد: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) وأن لا تجعل معه شريكا في عبادته لأنه لا شريك له في خلقه فلا شريك له في عبادته: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ). ومن مظاهر توحيده: إيمانك الحق بكل اسم سمى به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم أو كل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم تثبت ذلك حقا على ما يليق بجلال الله من غير تكييف ولا تمثيل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ). ومن مظاهر أدبك مع الله: محبتك لله جل وعلا المحبة الصادق بأعماق قلبك وذلك أن تتصور أن الله جل وعلا أنعم عليك بنعم عظيمة أوجدك من العدم، ورباك بالنعم وأحسن خلقك فجعلك في أحسن تقويم وأمدك بالسمع والبصر والفؤاد وأصبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنه فكلما تدبرت نعم الله عليك وإفضاله وإحسانه ازددت حبا لله جل وعلا قال جل وعلا: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) فهم يحبون الله محبة من أعماق قلوبهم يقول صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بهن حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا"، ومن لازم هذه المحبة أن تحب أنبياءه ورسوله فتحب جميع الرسل وتحب محمدا صلى الله عليه وسلم محبة صادقة لحب الله قال جل وعلا: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ)، تحب أولياء الله وعلى طاعته، تحب أوامر الله فتمتثلها وتكره نواهي الله وتجتنبها كل ذلك من محبتك لربك جل وعلا. ومن مظاهر أدبك مع الله: أن تخلص لله العبادات كلها فمن صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك من الأعمال الصالحة تؤديها خالصة لله تبتغي بها وجه الله والدار الآخرة لعلمك أن غير الله لا يصرف شيء من ذلك، فتصلي لله، فتصدق لله، تعمل صالحا لله، ترجوا بكل عمل ثواب الله فتخلص العمل لله لأن الله يقول: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: "قال الله أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِى تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" وفي لفظ: "وأَنَا مِنْهُ بَرِىءٌ". ومن مظاهر أدبك مع الله: أن تعظم شعائر الله وحرمات الله قال الله جل وعلا: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)، وقال: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) فتعظم الأزمنة والأمكنة والأشخاص الذين أمرت بتعظيمهم تعظم الأشهر الحرم، تعظم رمضان، تعظم يوم الجمعة، تعظم أماكن العبادة، تعظم الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى تعظيما لله لها، فتعظم ما عظم الله، ولهذا تعظم شرع الله ودينه وتعظم أولياء الله، تعظم الكبير والتقدير والإحسان إليه كل ذلك من تعظيم حرمات الله. ومن مظاهر أدبك مع الله: أن تستلم للنصوص الكتاب والسنة وتنقاد لها دون أي اعتراض على ذلك أو الشك في ذلك، بل تعلم أن ما قضاء به محمد صلى الله عليه وسلم فحق وعدل ورحمة وإحسان فلا اعتراض؛ ولكن قبول وتسليم قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً). ومن مظاهر أدبك مع الله: أن لا تقول في شرع الله إلا بما تعلم فلا تفتي برأي أو ظن أو تخلص قال الله جل وعلا: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، وقال: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) فكل من أفتى بغير علم فقد كذب على الله ولم يتأدب مع الله، فأدب المسلم مع ربه أن لا يفتي في دينه إلا بما هو عالم به وبدليله ليكون بذلك على بصيرة من أمره. ومن مظاهر أدبك مع الله: أن تشكر الله جل وعلا على عموم نعمه التي أنعم بها عليك ظاهرا وباطنا، تشكره على عظيم نعمه وامتنانه وتثني عليه، تشكره بقلبك فتعتقد أن هذه النعم فصلا من الله عليك لا بحولك ولا بقوتك، تشكره بلسانك فتثني عليه وتعظمه وتحمده على كل نعمة، إن الله يرضى عن العبد يأكل الأكل فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، تشكره بجوارحك وتؤدي ما أوجبه الله عليك شكرا لله على نعمته قال جل وعلا عن نبيه سليمان لما أنعم عليه من النعم: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)، ومحمد صلى الله عليه وسلم قام الليل حتى تفطرت قدماه فقيل له فقال: "أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا". ومن مظاهر أدبك مع الله: مراقبتك لأمر الله وعلمك الحق أن الله مراقب أعمالك وأقوالك، لا يخفى عليه شيء من حالك حضورك وغيبتك، راءك الناس أم غابوا عنك: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) فتراقب الله وتعلم أن الله مطلع عليك في كل أحوالك: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ* إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). ومن مظاهر أدبك مع الله: حياءك من الله وخجلك من الله، حياءك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، تستحي من ربك لعلمك باطلاعك عليك وعظيم آلاءه وستره عليك فتستحي منه فتتوب إليه وتنوب إليه يقول صلى الله عليه وسلم لما سأل الرجل يا رسول عوراتنا ما نأتي منها وما نذر، قال: "احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ" قال يا رسول الله الرجل يكون خاليا، قال: "اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْ الناس". ومن مظاهر أدبك مع الله: توبتك إليه، وإنابتك إليه عندما تزل القدم وتقع في المخالفات تنوب إلى ربك وتتوب وتعتذر وتستعتب وتتوب إليه جل وعلا: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ)، (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) وقال عن أولياءه المتقين: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ). ومن مظاهر أدبك مع الله: خوفك من الله وإشفاقا من الله قال الله جل وعلا: (إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ* أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ* أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ* أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ). ومن مظاهر أدبك مع الله: الرغبة فيما عند الله والرهبة والخشوع له قال جل وعلا في وصف بعض أنبياءه: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). ومن مظاهر أدبك مع الله جل وعلا: إخلاصك الدعاء لله بأن تدعوا الله جل وعلا مخلصا موقننا بالإجابة مدرك أن الله سميع عليم قادر بأن يجيب دعوتك قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، وقال: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)، وأخبرنا أنه قريب يجيب دعوة الداعي قال الله جل وعلا: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فتدعوا الله وترجوه في أدب واحترام وذل وخضوع لله من غير رفع صوت وإنما بينك وبين الله سمع النبي أصحابه يكبرون ويهللون قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أقرب إلى أحدكم من شراك نعله". أيها المسلم، ومن مظاهر أدبك مع الله: تسليمك للقضاء والقدر وإيمانك بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، تؤمن بقدر الله الذي قدره خيره وشره، فاعلموا أن الله علم الأشياء ثم كتب ذلك العلم قبل أن يخلق الخليقة بخمسين ألف سنة وشاءه وقدره تؤمن بهذا حق الإيمان. ومن مظاهر أدبك مع الله: حسن ظنك بربك فتعتقد أن قضاء الله وقدره مبنين على حكمة الرب وكمال عدل الرب وكمال رحمته، وكمال علمه ورحمته وعدله، ترضى بذلك لا تسوء الظن به يفقر من يشاء ويغني من يشاء يعز من يشاء يذل من يشاء كل ذلك على كمال الحكمة والعدل: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ* مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ) ليس لسفه ولا لباطل ولكنه حق وعدل: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، أحسن الظن بربك فيما قضاء وقدر، واعلم أنه حكيم عليم لا اعتراض عليه: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ). ومن مظاهر أدبك مع الله: إتيانك الصلاة على أحسن آية في ظهورها ولباسك وحسن ذلك: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ). ومن مظاهر أدبك مع الله: خشوعك في صلاتك وسكونك فيها وإتيانها بأركانها وواجباتها ومستحباتها على أحسن حال مع الإخلاص لله في ذلك. ومن مظاهر أدبك مع الله: إمساك اللسان عن الأقوال البذيئة والأقوال الساقطة تبتعد عنها طاعة لله فإنك مسئول عن كل ألفاظك: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، فاحذر أخي المسلم من مذلات اللسان فإنها خطيرة جدا في الأثر: إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه، فتأدب مع الله في الأقوال والأفعال هذا الواجب علينا، نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، أقولٌ قولي هذا، واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفورٌ الرحيم. ; ; الخطبة الثانية الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، ; ; ; ; ; أما بعدُ: فيا أيُّها الناس، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، عباد الله، إن من سوء الأدب مع الله ما يجري على بعض ألسنت الناس من سخرية بهذه الشريعة واستهزاء بها وبأحكامها ومن المتمسكين بها وإساءة الظن بذلك تلك من أخلاق المنافقين الذين تفوت ألسنتهم بمن انطوت عليه قلوبهم من الخبث قال الله جل وعلا: (وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)، وقد حذر من الناس فقال: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ* وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فالسخرية بهذا الدين والاستنقاص منه والتشكيك في عموم الشريعة وشمولها وكمالها أو اعتقاد أنها غير صالحة وغير مواكبة للعصر وضرورياته كل هذا من الاستهزاء بالدين، والسخرية به، والنظر إليه نظرة الدون كل هؤلاء من النفاق نسأل الله السلامة والعافية. ومن سوء الأدب مع الله: السخرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناهج التعاليم الإسلامية والحط من قدرها أو التشكيك في حفظة القرآن أو المناهج الإسلامية الطيبة والدعوة إلى ما يبعد الناس عن تعاليم دينهم وشريعتهم. ومن سوء الأدب مع الله: أن تستمر في طغيانك وتلج في هواك وضلالاتك من غير خوف من الله قال جل وعلا: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ) ذلك أوقعهم في الطغيان والمعاصي فلو كمل علمهم بإطلاع الله عليهم وأن الله لا يخفى عليه شيء من أعمالهم: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)، (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ). ومن سوء الأدب: ظلم الناس في أموالهم وأعراضهم ودماءهم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة في الحديث: "إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قوله: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)". فعلينا جميعا التأدب مع الله ومع نبيه ومع دينه، وتلقي ذلك بالسمع والطاعة والقبول، أسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه وأن يتوفنا وإياكم مسلمين إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم الله أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصَلُّوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائه الراشدين الأئمة المهدين أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، وجعل اللَّهمّ هذا البلاد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ آمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللَّهمّ وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدالله بن عبدالعزيز لكل خير، سدده في أقواله وأعماله ومنحه الصحة والسلامة والعافية إنك على كل شيء قدير، اللَّهمّ ووفق ولي عهده لما يرضيك، والنائب الثاني وجعلهم جميعا على البر والتقوى إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون. ; خطبة الجمعة 30-03-1435هـ ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ; ;