معالم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في إصلاح الأخطاء

الخطبة الأولى: إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين. أمَّا بعد: ; ; ; ; ; ; ; فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى. عباد الله، وقوع الخطأ من الإنسان أمر طبيعي لا ينفك عنه، وهو جزء من الضعف الذي قال الله فيه: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) [النساء:28]، مهما بلغ العبد من مقامات العبودية، أو درجات التقوى فلا يسلم وقوعه في خطأ، ولا يسلم من وقوعه في معصية، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، إذا كانت المعاصي إرادة قدرية فإن علاجها بالطريق الشرعي، ولا يعذر أرباب المعاصي والكبائر لكونهم بشراً، أو لوجود المغريات والفتن، تلك لا تعذرهم من توجيه نصيحة لهم لإصلاح أخطائهم، وتدارك نفوسهم، ولكن إصلاح الخطأ لا بد أن يكون على وفق ما دل الكتاب عليه وعلى هدي نبينا صلى الله عليه وسلم. أيها المسلم، وإن من تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاجه للأخطاء ليجد أنه العلاج النافع المؤثر (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم:3-4]، فمن معالم هديه صلى الله عليه وسلم في معالجة الأخطاء الرفق بالمخطئ بالعبارات، فكان صلى الله عليه وسلم يصلح أخطاء أصحابه بالعبارة اللينة، والكلمة الطيبة، قال الله جل وعلا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران:159]، فكان صلى الله عليه وسلم أنموذجاً حقاً في علاج الأخطاء بقوله وفعله، فأما قوله، فهو القائل: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع الرفق من شيء إلا شانه"، وهو القائل: "إن الله يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"، وأما فعله صلى الله عليه وسلم فقد أخبرنا صحابي من أصحابه، معاوية بن حكم الأسلمي قال: قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأتفقه في الدين، فعلم من فقه الدين مشروعية حمد الله لمن عطس وتشميت العاطس، قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه فعطس رجلٌ من القوم، فقلت يرحمك الله، قال فرماني القوم بأبصارهم، فقلت واثكل أمياه، ما لكم تنظرون إلي؟ قال فضربوا بأيديهم على أفخاذهم يسكتونني، لكني سكت، فلما انقضت الصلاة دعاني صلى الله عليه وسلم، والله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، والله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني بل قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، فانظر إلى هذا التعليم العظيم والتواضع الجم والتربية الصالحة ليشعر هذا الجاهل بالحكم الشرعي الذي خفي عليه فيعلمه فكان هذا التعليم له أثر في صلاح ذلك الإنسان واستقامته وهو القائل بأبي وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فصلوات الله وسلامه عليه، ومن معالم إصلاح الخطأ في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة الإقناع أي أن تقنع المخطئ بأن فعله خطأ فإذا اقتنع بأن فعله خطأ وترك هذا الفعل عن قناعة كان ذلك هو المطلوب ليس الهدف أن أواجهه ساباً أو ناقداً أو شامتاً أو عائباً متفرحاً عليه بخطأ، لا، مهمتي أن أقنعه بأن ما عليه خطأ يجب أن يصحح خطأه، فلعله أن يترك ذلك عن قناعة، وإلا فالحجة قد قامت عليك أما مواجهته بالإنكار ورفع الصوت والغضب الشديد فإن ذلك لا ينفع، وإن نفع في ترك الخطأ، لكنه إذا توارى عنك فعل ما كان يفعل، لكن إذا اقتنع منك بأن قولك حقاً وأن فعله خطأ فذاك المطلوب، ولهذا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فتى شاب، فقال يا رسول الله: إئذن لي بالزنا، سؤال غريب يستنكره ذوي الإيمان والتقوى، فالصحابة قالوا له مه، مه، منكرين عليه قوله، رادين عليه قوله، لأنه طلب أمراً شديداً، يريد أن يحلل حراماً حرمه الله، ولكن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئاً وإنما دعاه، ادْنُه، فلما اقترب منه، قال: "يا هذا، أترضى بالزنا لأمك؟"، قال لا يا رسول الله، قال: "والناس لا يرضوه لأمهاتهم، أترضاه لإبنتك؟"، قال لا يا رسول الله قال: "والناس لا يرضوه لبناتهم، أترضاه لأختك؟"، قال لا يا رسول الله، قال: "والناس لا يرضوه لأخواتهم، أترضاه لعمتك؟"، قال لا يا رسول الله، قال: "والناس لا يرضوه لعماتهم، أترضاه لخالتك؟"، قال لا يا رسول الله، قال: "والناس لا يرضوه لخالاتهم"، ثم قال: "اللهم اغفر له وطهر قلبه واحفظ فرجه"، قال فما التفت الرجل إلى شيء بعد ذلك، انظر إلى هذا التعليم العظيم، والتوجيه النبوي، فتىً شابٌ أعزب يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيح له جريمةً محرمةً بالكتاب والسنة بإجماع الأمة، ومع هذا لم يبالِ بالإنكار وإنما أقنعه بأن هذه الجريمة نكراء، لا يرضاها المسلم لنفسه، فكيف يرضاها لغيره، جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت لي غلاماً أسود، يعني لون الغلام غير لونه، من أين أتانا هذا؟ معللاً بأن هذا الحمل ليس منه، وأن هذا الولد ليس بولده، لماذا؟ لأن اللون يخالف لون الأب، ولكن المصطفى صلى الله عليه وسلم أغلق عليه باب الوساوس وأبعده عن الشكوك والأوهام، وقنَّعه بأمرٍ هو في يده، فقال له: "هل لك من إبل؟" قال: نعم، قال: "ما لونها؟"، قال: حمر، قال: "وهل فيها من أورق؟" أي أسود، قال: نعم، قال: "من أين أتى هذا؟"، قال: لعله نزعه عرق، قال: "ولعل هذا نزعه عرق"، أي لعل في آباءك من لونه أسود تطرق إلى هذا الغلام، فأغلق باب الوساوس والمشككين الذين يتعلقون بأدنى ريبة وأقلِ شكٍ للطعن والقيل والقال، ومن معالم هديه صلى الله عليه وسلم في الرفق عند إصلاح الأخطاء أنه لا يواجه المخطئ أحياناً بخطأه وإنما يلمِّح ويعرِّض ليفهمه وغيره، استبَّ رجلان عنده صلى الله عليه وسلم، فأحد الخصمين، أو أحد المتسابين احمرَّت عيناه، وانتفخت أوداجه من الغضب الذي سيطر عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، فلم يواجه المخطئ، وإنما أراد العامة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد الإنكار لم يُعيِّن المنكر عليه، بل يقول: "ما بال رجالٍ اشترطوا شروطاً ليست في كتاب الله"، ما بال أقوام لِيفهم الواقع في الأمر، ويفهم غيره، حتى لا يُخجَّل الإنسان ولا يقع الذل، وإنما النصيحة الهدف منها الإصلاح والتقويم، ومن معالم هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الأخطاء السكوت عن الخطأ أحياناً لا رضىً به ولكن خوفٌ من يأتي خطأ أكبر من ذلك الخطأ، يسكت عن خطأٍ خوفاً من أن يأتي خطأ أكبر من ذلك الخطأ، فإن من مقاصد الشرع ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما وأشرهما، في عهده صلى الله عليه وسلم فئةٌ من الأوس والخزرج دخلوا في الإسلام ظاهراً وهو كافرون به باطناً، وهم المنافقون، آمنوا برسول الله فيما يظهر منهم، والله يعلم إنهم كاذبون، (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون:1]، فهم تظاهروا بالإسلام، يصلون مع النبي، يجاهدون معه، يحسبون من أهل الإسلام ومع هذا فقلوبهم منطويةٌ على خبثٍ وعداءٍ لله ورسوله، متى ما سمحت الفرصة تفوهت الألسن بما انطوى عليه القلب من الخبث والبلاء والعداء لله ورسوله، ومع هذا الخبث الذي يعلمه صلى الله عليه وسلم من أولئك لم يعاجلهم بالعقوبة ولم يعاقبهم، بل صبر وتحمل كل أذىً منهم، لا لذواتهم، ولكن رفقاً بالأمة أن يتصدع بنيانها، أو يقتل بعضُها بعضاً، أو يقوم أحد أقاربه ووده والتقى تحمله العصبية الجاهلية أن يقول ما يقول، فرفقاً وإغلاقاً لوسائل الشر ودعاة السوء والفساد صبر عليهم وهو يقول: "لا تتحدث العرب أنَّ محمداً يقتل أصحابه"، فهو يصبر عليهم وهو يعلم حالهم، رفقاً بالأمة وخوفاً عليها من تصدع بنيانها، وتفكك بنيانها، ونفوذ العدو اللدود لأجل أن يبث سمومه في المجتمع المسلم، قال أبو هريرة رضي الله عنه: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالسٌ في المسجد وأصحابه، إذ جاء أعرابي فبال في ناحية المسجد، بال في طائفة المسجد، يرى أن المسجد وغيره سواء، فبال في طائفة من طوائف المسجد، فلما رآه الصحابة أنكروا عليه، وقالوا مه، وكادوا أن يوقعوا به، انتهك حرمة المسجد وشرف المسجد، ودنَّس المسجد، وقذَّر المسجد، كيف يُترك، ولكن محمد صلى الله عليه وسلم الرحيم بأمته، الشفيق عليهم، الحريص على هدايتهم، قال: "دعوه، لا تزرموا عليه بوله"، فلما انتهى من بوله دعاه، وقال له: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها البول ولا القذر، إنما لذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة"، فخرج وهو يقول: اللهم اغفر لي ومحمد ولا تغفر معنا أحد، انظر إلى هذا الخلق العظيم، والسكوت عن هذا الخطأ لا رضىً به، ولكن لو أُجبر هذا الأعرابي الجاهل على القيام من مكانه لدنَّس ملابسه وبدنه، وتفرق البول في أماكن معدودة بينما هو محصورٌ في موضعٍ واحد، فدعا بذَنوبٍ من ماء فأفرغه على هذا البول، وانتهى الموضوع، وأُغلِقَ باب الشر، وأُصلِح الخطأ، ونُبِه الجاهل، فصلوات الله وسلامه عليه أبداً دائماً إلى يوم الدين، ومن معالم هديه في إصلاح الخطأ تذكير المخطئ بعقوبة الله وقدرة الله عليه، لأن من في قلبه إيمان إذا ذُكِّر بالله خاف، إذا ذُكِّر بعقاب الله وانتقامه من الظالمين دعاه ذلك إلى السمع والطاعة والبعد والإرتفاع عن الظلم والعدوان، قال أبو مسعود الأنصاري: كنت أضرب غلاماً لي في السوق فإذا منادٍ يقول: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود"، قال: فلما اقترب مني علمتُ أنه صلى الله عليه وسلم، فوضعت السوط من يدي إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أبا مسعود، اعلم أن الله أقدر عليك منك عليه"، قال: فوالله ما ضربت مملوكاً بعد ذلك، فصلوات الله وسلامه عليه أبداً دائماً إلى يوم الدين، ومن معالم هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الأخطاء، هجره أحياناً للمُخطئ أحياناً لكي يتصور الخطأ، ويعلم أن فعله فعلٌ غير مرضي وغير مطلوب، هجر ثلاثةً من أصحابه كعب بن مالك وصاحبيه، لما تخلفوا عن غزوة تبوك، خمسين يوماً حتى تاب الله عليهم ومنَّ عليهم بالتوبة النصوح، وهذا الهجر يستعمل أحياناً إذا كان يؤدي غرضه، ولا سيما إذا كان من يَهجر له شأنه، ومن يُهجر أيضاً يُرجى استصلاح حاله، وتوبته إلى الله، كان صلى الله عليه وسلم إذا علِمَ بكذبٍ من أحد أصحابه أو أهل بيته ما يزال في نفسه عليه، يُعرض عنه حتى يعلم أنه قد تاب من ذلك الخلق الذميم خلقِ الكذب والإفتراء، ومن معالم هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الأخطاء تنبيهه للحق، وإرجاعه للحق، جاء أبو بكرة رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم راكعٌ فركع دون الصف ثم دخل في الصف، فلما سلم قال له صلى الله عليه وسلم: "زادك الله حرصاً ولا تعد"، أي لا تركع دون الصف، ولهذا قال عن كيفية الإتيان للصلاة: ائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فأتموا، وما فاتكم فاقضوا، فأبو بكرة ركع دون الصف ليدرك الركعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: زادك الله حرصاً وهدى، لكن لا تعد لمثل هذا الفعل، فلا تركع دون الصف واجعل ركوعك مع الصف، فهذا هو الواجب عليك، ومن معالم هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأخطاء أنه ينظر ويعتبر الغريزة المغروسة في نفوس بعض المخالفين والمخطئين فيرفق به لأجل ذلك، بينما هو في بيته إذ جاءته أم سلمة بصحفةٍ فيها طعام، وكان في بيت عائشة، فلما رأتها عائشة ضربت الصحفة حتى انشقت نصفين لكي تبطل الطعام الذي جاء في بيتها ولا ينتفع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الطعام الآتي له من بعض ضراتها، فلما وقع ذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم أجزاء الصحفة والطعام وقال: "كلوا، غارت أمكم، كلوا، غارت أمكم"، ثم أخذ صحفة عائشة وأرسل بها إلى أم سلمة، وقال: "طعامٌ بطعام، وصحفةٌ بصحفة"، وأُغلِقَ الباب وانتهى الموضوع، ومن معالم هديه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالمخطئ أنه لا يهوِّل الأمور الصغيرة فيجعل الصغائر كالكبائر، لا، الأخطاء قسمين: خطأٌ صغير له علاجه، وخطأٌ كبيرٌ له علاجه، فلا يجعل الصغير مثل الكبير، ولا تهوَّل الأمر، بل تعالج الأخطاء على قدرها، لا يهوَّل الكبير، ولا يتهاون في الصغير، "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، إلا الحدود"، كل ذلك رفقاً بالأمة، ومن معالم هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الأخطاء النظر للمخطئ من جهلٍ وغفلةٍ وعلمٍ وشبَهٍ تعرض له، فالجاهل يُعلَّم، الجاهل يعلم ويُبين له الحق الذي خَفِيَ عليه، والغافل يُذَّكر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، والعالم يُوعظ ويُخوّف من الله، ويُذَّكر بأن علمَه الذي يحمله لابد أن يكون دالاً على العمل ومعيناً على العمل، وأن من خالف علمُه عملَه شابه اليهود، (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) [الجمعة:5]، (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة:44]، ومن عنده شبهةٌ يحاور ويجادل ويناظر لكي تزول شبهته، ويعود إلى الحق، كل هذه المعالم وغيرها من معالم هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الأخطاء، وصدق الله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:128]، فصلوات الله وسلامه عليه أبداً دائماً إلى يوم الدين، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [الأحزاب:21]، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم. ; الخطبة الثانية: الحمدَ لله، حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين. أمَّا بعد: فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى. عباد الله، علِمنا هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم في معالجة الأخطاء وإصلاح الأخطاء، والدعوة إلى الخير والصلاح، فعلينا جميعاً أن نسير على هذا المنهج النبوي في إصلاح أخطاءنا، في أنفسنا، في أهلينا، في مجتمعنا جميعاً. أيها الأب الكريم، قد يحصل بينك وبين وبين أولادك شيءٌ من الخطأ، ترى أخطاءً من أبناءك، هذا الخطأ عالجه تارةً بالرفق، وتارةً بالشدة، وتارةً بالتغاضي عن بعض الأمور، ثم لاحظ الفارق العمري والعلم وعدمه، ولاحظ صِغَر السن وكبره، فأوقع كل ذي... في موقعه، وأصلح كل خطأ بالطريق المناسب له، فليس خطابك للطفل الصغير كخطابك للكبير، ولا لمراهقٍ كالكبير ولا غيره، بل ضع الإعتبار العمري، والعلم، ونحو ذلك في موضع الإعتبار ليكون التنبيه واقعاًَ موقعه. أيها المدرس الكريم، التلاميذ يخطئون ويتصرفون، فكيف تعالج أخطاءهم؟ هل بالضرب؟ هل بالتأنيب؟ هل بخصم الدرجات؟ لا، لابد من معالجة أخطاء التلاميذ بالتوجيه، والكلمة الطيبة، والتشجيع، والتنبيه، والتنافس الكريم بينهم، لكي تتوصل إلى إصلاح الأخطاء، ليشعروا منك أنك أبٌ رحيمٌ لهم، موجهٌ لهم، حريص على إصلاحهم وتنبيههم، وإصلاح أخطاءهم. أيها الزوجين، أيها الزوج الكريم، أيتها المرأة العزيزة، إن الخلاف بين الزوجين ممكن، ويقع الخلاف بين الزوجين في أمورٍ أحياناً قد تكون ترهات لا قيمة لها، أمورٌ تافهة قد تصعَّد حتى تكون أموراً قوية، فعلى الزوج وعلى الزوجة جميعاً أن يعالج كلٌ منهم أخطاء صاحبه، معالجتها بحكمةٍ وبصيرةٍ ورفقٍ ورويةٍ، من غير تدخل أيدٍ خفية، وعلى الزوجة أو الزوجة أن يصبر كلٌ منهم على ما قد يحصل من أخطاء الآخر، في الحديث، "لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كرِهَ منها خلقاً رضِيَ منها آخر"، وعلى المرأة الصبر على زوجها، وتحمل ما يمكن تحمله، وعدم إشراك الأهلين فيما يحصل بين الزوجين، فاهتمام الزوجين ببيتهما، وإصلاح أخطاءهما، هي الوسيلة التي تبقي البيت متماسكاً قوياً ثابتاً. أيها القاضي الكريم، ارفق بالخصوم عند ترافعهم، ففيهم المُحِق والمُبطل، فدعْ كلاً منهم يبدي ما عنده بحرية، يتكلم ويفرغ ما عنده، لكي تعلم بعد حين مدى الخصمين، وربما يكون ذلك سبباً لتوصلك إلى المخطئ من المصيب، وتعلم من له الحق ومن عليه الحق، فإن رفقك بهم وأخذك مالديهم، حتى لا يكتشف أحدٌ منهم أنك حائفٌ معه ومائلٌ معه ضد الآخر. أيها الموظف، أيها المسئول، ارفق بمن تحت يدك من موظفيك ومسئوليك، وعالج أخطاءهم بالحكمة، وإياك أن تعالجها بغضبٍ، أو طيشٍ، أو قيلٍ وقال، وإنما يكون العلاج بالرفق وإقناع المخطئ، والبحث عن أسباب الخطأ، وقطع دابر الفساد. أيها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعي إلى الله، إن المسئولية عظيمة، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعي إلى الله، هدفه الإصلاح، هدفه تقويم الإعوجاج، هدفه نصيحة الناس وإنقاذهم مما هم فيه من الخطأ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في الحسبة هدفه تغيير المنكر، لكن بأي سبيل؟ تغيير المنكر بإرشاد المخطئ، وتبيين خطئِه، وإقناعه بأن ما هو عليه عليه منكر مخالفٌ للشرع، فبهذا يعلم أنك رفيقٌ به، حريصٌ على هدايته، لا تُظهر الشماتة به، ولا الفرح بأخطاءه، فإنما تُريد إصلاح حاله، واستقامة أخلاقه. أيها الكتَّاب في صحافتنا ومجلاتنا، أيها المتحدثون في وسائل الإعلام على اختلافها، لنتقي الله في أنفسنا، ونناقش أخطاءنا بالموضوعية التامة والحرص على جمع الكلمة ووحدة الصف، وأن لا يكون علاجنا لأخطاءنا بأن يرد بعضنا على بعض بالأسلوب المجرِّح، والأسلوب القاطع، والتدخل في الشخصيات والنوايا والقيل والقال، نحن في زمنٍ يجب أن يلتحم صفنا، وتتحد كلمتنا، ونخرج جميعاً بمظهرٍ المتحد، الأمةٌ المتحدة، المترابطة، المتعاونة، كالبنيان يشد بعضه بعضاً، نحن في زمنٍ تحدياته عظيمة، وظروفه صعبة، يجب أن نكون جميعاً يداً واحدة في إصلاح أمورنا، وإصلاح أخطاءنا، ولنتعاون جميعاً بنيةٍ صادقة، وعزيمةٍ صالحة، وإرادةُ خيرٍ، ليس هدفنا أن ينتقم بعضنا من بعض، أو يشمت بعضنا ببعض، أو نحط من قدر بعضنا ببعض، أو نتدخل في خصوصياتنا وشخصياتنا، وإنما نريد الإصلاح ما وجدنا إليه سبيلاً، (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) [هود:88]، فدعونا من المهاترات، ودعونا من التُهم، ودعونا من سوء النوايا، ودعونا من القيل والقال، ولتخرج صحافتنا وإعلامنا مخرج الجماعة المؤمنة المتحدة الدالة على وحدة الصف، وجمع الكلمة، والوقوف مع القيادة في كل ما يحقق أمن هذا البلد، وراحته واطمئنانه وسعادته، إنَّ كل فردٍ منا مسئول عن هذا البلد مسئوليةً جسيمة، فلنكن يداً واحدة في كل أحوالنا، لا ندعُ لعدوٍ ولا لمتربصٍ بنا وسيلة، إننا يجب أن نتعامل مع الإعلام الخارجي بالأمانة والصدق، أما أن ينجرف بعضنا وينخدع بالدعايات مع بعض وسائل الإعلام المغرضة السيئة التي تريد النيل من ديننا وعقيدتنا ووحدتنا واجتماع كلمتنا، ثم يصرِّح من كان معها بتصريحاتٍ سيئة، وتقديرات سيئة، وتحليلات خارجة عن الموضوع والواقع، إنه لا يعالج الخطأ، إن الواجب علينا أن نقف من هذا الإعلام الجائر الذي نعلم عداوته لديننا وعقيدتنا وأخلاقنا ووحدتنا، أن نتعامل بالحذر، وأن لا ننجرف معه، وأن لا نعطيه فرصة ومساحة لينال منا ومن وحدتنا ومن عقيدتنا وأخلاقنا، إن التعاون مع الإعلام الخارجي بلا حدود، إنهم مخطؤون، قد ارتكبوا خطأً في أنفسهم، لأنهم بهذا يعينون أعداء الإسلام والأمة، ويعينون المفسدين على الأمة، فالواجب أن نكون يداً واحدة في كل أحوالنا، لأن الله يقول: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال:46]، أخطاءٌ في مجتمعك عالجها في إعلامك وبين أفراد مجتمعك، وبين أبناءك، أما أن تعالجها في إعلامٍ خارجيِّ حاقد، مبغضٌ للإسلام وأهله، ويحمل لواء العداء لهذا الدين ولهذا المجتمع المؤمن المطمئن، فإن هذا عين الخطأ، أسأل الله للجميع التوفيق والسداد والهداية لما فيه خير الإسلام والمسلمين، إنه على كل شيءٍ قدير، واعلموا رحمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصَلُّوا رَحِمَكُم اللهُ على عبدالله ورسوله محمد، كما أمركم بذلك ربُّكم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]. اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، يا أرحمَ الراحمين. اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، وأعذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَ الله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، اللهم أمده بالصحة والعافية في سمعه وبصره وفؤاده، وأعنه على كل خير، سدده في أقواله وأفعاله، وكن له عوناً ونصيراً في كل ما أهمه، اللهم أعنِه ولا تُعنْ عليه، وانصره ولا تنصر عليه، ووفقه لكل عملٍ تحبه وترضاه، اللهم وفق ولي عهده سلطان بن عبدالعزيز لكل خير، وارزقه الثبات على الحق والإستقامة عليه، سدده في أقواله وأفعاله، اللهم وفق النائب الثاني نايف بن عبدالعزيز لكل خير، وأعنه على مسؤوليته، وأمده بالتوفيق والعون والتأييد، إنك على كل شيءٍ قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10]، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23]، اللهم أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللهم سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم ولا غرق، (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) [البقرة:201]. عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.- 23-11-1432هـ