أسباب انشراح الصدر

أسباب انشراح الصدر إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونستهديه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين. أمَّا بعد: ; ; ; ; ; فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى. عباد الله، دار الدنيا دار شدةٍ وبلاء وضنك ولأواء قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد:4]، فما يصيب العبد من همومٍ وغمومٍ وقلقٍ في هذه الدنيا فإنها سجن المؤمن وجنة الكافر، وإن المؤمن إذا تدبر حال كثيرٍ من الناس وما يشكون من ضنك وضيق وضجر وهموم وغموم نتيجةً للأمراض النفسية فيلعلم حقاً أن للإسلام منهجاً يخلص المؤمن من هذه المصائب ويحقق له الحياة الطيبة فلا بد للمسلم من معرفة هذا المنهج ومن أسباب شرح الصدر الذي يكون سبب لراحة المسلم وطمأنينته. أيها المسلم، إن الله جل وعلا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح:1]، نعم إنها نعمة من الله منَّ بها على نبيه صلى الله عليه وسلم حيث شرح صدره، شرحه فجعله متسعاً للدين والدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، فكان صلى الله عليه وسلم أعظمَ الخلق حلماً وكرماً وخلقاً وجوداً صلى الله عليه وسلم، يقول الله عنه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]، فكان صلى الله عليه وسلم أشرح الناس صدراً وأطيبهم نفساً وأنعمهم قلباً وكلما كان المسلم متمسكاً بسنة محمدٍ صلى الله عليه وسلم فله نصيبٌ من هذا النعيم وكلما بعُد عن شريعته بعُد عن هذا النعيم ألا وهو انشراح الصدر وقرة العين، وإن المتأمل في كتاب الله وفي سنة محمد صلى الله عليه وسلم يجد أن هناك أسباباً لانشراح الصدر وطيب العيش، فأعظم الأسباب الإيمان بالله، توحيد الله، وإفراده بالعبادة، إفراده بالحب والخوف والرجاء، فإن هذا يحقق له الحياة الطيبة (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]، فالسعادة والبهجة وراحة النفس إنما هي في الإسلام والأعمال الصالحة، قال تعالى: (فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ) [الأنعام:125]، وقال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر:22]، يقول ابن القيم رحمه الله: إن محبة الله، ومعرفته، والإكثار من ذكره، والأُنس به، وإفراده بالخوف، والمحبة، والرجاء، والتعلق القلبي بالله دائماً إنه جنة ونعيم في هذه الدنيا، وإن من فقد التوحيد، أو اختل جانب التوحيد في قلبه، أو تعاطى ما يغضب الله فإن ذلك سببٌ لضُعف قلبه، وضيق صدره، وتوالي الهموم والغموم عليه (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً) [آل عمران:151]. أيها المسلم، حُسن ظنك بربك من أسباب شرح صدرك، بأن تعتقد أن الله كاشف غمك، وكاشف بلاءك، ومُخلِّصك من الهموم والغموم، فكلما أحسنت الظن بربك حقق لك الخير كله يقول الله جل وعلا: "أنا عند ظن عبدي بي فإن ظن بي خيراً فله وإن ظن بي سوى ذلك فله". أيها المسلم، إن تقوى الله وترك المعاصي والسيئات من أسباب انشراح الصدر قال جل وعلا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:2-3]، فتقوى الله سببٌ لانشراح الصدر وقرة العين وطيب النفس، والمعاصي سببٌ للمصائب كلها (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير) [الشورى:30]، وقال: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) [آل عمران:165]، وما يعاقب به المسيء من الهم والغم وضيق الصدر وقسوة القلب وتشتت الأمر إنما هي عقوبة معجلة له في هذه الدنيا ونار تتأجج قبل نار الآخرة، قال تعالى: (فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه:123-124]، فضيق العيش، وضيق الصدر، وتوالي الهموم، والغموم، والمصائب، إنما هي في تعاطي معاصي الله والإعراض عن ذكر الله، فالمتقي لله والعابد لله والمطيع لله في أُنس وراحةٍ وانشراح صدر وإن قلت الدنيا أو ضعفت. أيها المسلم، ومن أسباب انشراح الصدر المحافظة على فرائض الإسلام ونوافلها، يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: "وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده الذي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولأن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه"، ومن أسباب انشراح صدر المسلم، أن تكون الآخرة أكبر همه وغاية مراده، فمن كان كذلك شرح الله صدره، وجعله في حياته في سعادة أبدية، يقول صلى الله عليه وسلم: "من أصبح والآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه وجمع شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه جعل الله فقره نصب عينيه وشتت أمره ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر الله له"، ومن أسباب انشراح الصدر الإكثار من ذكر الله جل وعلا يقول الله جل وعلا: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]، فذكر الله في الصباح والمساء، والمحافظة على الأوراد الصباحية والمسائية في كل الأحوال، مما يشرح الصدر، ويجعل العبد في نعيم دائم، تلاوة القرآن والإكثار من تلاوته من أسباب شرح الصدر، ومن أسباب شرح الصدر أيضاً نظر المسلم إلى نعم الله عليه العظيمة التي يعجز عن إحصاءها وعدها فإذا أصابه مكروه قارن بين عظيم النعم وبين هذا المكروه اليسير وتحمل كل ذلك في سبيل عموم نعم الله عليه ولهذا أُمِر المسلم أن ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من فوقه خوفاً من أن يحتقر نعم الله عليه، ومن أسباب انشراح الصدر استشارة أهل الرأي والدين فيما يحل به من مصائب ومشاكل قال جل وعلا: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء:83]، يقول خباب بن الأرت أتينا النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بردة في ظل الكعبة فقلنا يا رسول الله: ألا تستنصر لنا، ألا تدعوا الله لنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن من كان قبلكم كان يؤتى بالرجل فيحفر حفرة فيؤتى بالمنشار على رأسه فيفرق فرقتين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم من لحم أوعصب ولم يصده عن دينه وإن الله متم هذا الأمر ولكنكم تستعجلون"، ومن أسباب انشراح الصدر ما يوفق الله به بعض العباد بالإحسان إلى الخلق وقضاء حوائجهم وتنفيس كرباتهم وتفريج همومهم والتيسير على معسرهم والإحسان إلى فقيرهم، ففي الصدقة وقضاء حاجات الناس والنظر في ذلك سببٌ عظيمٌ في انشراح صدر المسلم، فإن من وفقه الله لهذه الأخلاق الحميدة يكون في راحة وطمأنينة ومن ضاق صدره بالأعمال الطيبة وبخل بكل عمل يقدر عليه فإن ذلك سبب لضيق صدره وقلة راحته، ومن أسباب شرح الصدر العلوم الشرعية فذووا العلم والفضل العاملون بعلمهم الداعون إلى الله على علم وبصيرة هم في انشراح الصدور وقرة العين، يقول الله جل وعلا: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام:122]، ومن أسباب انشراح الصدر مجالسة أهل التقى والصلاح، ومن يعينونك على الحق، ومن يبصرونك في عيوبك، ومن يحذرونك من سخط الله وغضبه، فإن مجالسة أولئك سبب لكل خير، وصحبة من لا خير فيهم ممن تتدنس بصحبتهم، ويحببون الشر والبلاء لك فاحذر من أولئك، ولذا قال الله لنبيه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) [الكهف:28]، ومن أسباب انشراح الصدر دعاء الله، والالتجاء إليه، والاضطرار إليه، والافتقار الكليِّ إليه، وإنزال الحاجات والكربات إليه، فكلما أحاطت بك الهموم، وحلت بك المشاكل، وضاقت بك الدنيا بذرعها، فهناك بابٌ عظيم إذا ما طرقته فُرِّج همك، وقُضِيَ دينك، وزال كربك، وأنست بالراحة والنعمة، ألا وهو دعاء الله، فارفع إلى الله يديك متضرعاً، راجياً، خائفاً، ارفع يديك إلى الله متضرعاً، راجياً، خائفا مشفقاً معترفاً بذنبك مقراً بخطئك مُنزِلاً بالله حاجتك، يقول يعقوب عليه السلام: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف:86]، والله يقول عن نبيه أيوب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء:83]، ويقول عن ذو النون: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87]، فاستجاب الله لهما. أيها المسلم، يقول صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب العبد من هم ولا غم فيقول اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حكمك عدلٌ فيَّ قضائك، أسألك اللهم بكل اسمٍ هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وهمي إلا فرَّج الله همه وغمه وأبدله بهما فرحا"، فالالتجاء إلى الله، والتعلق بالله، وكمال الثقة بالله، سبب لانشراح الصدر وقضاء الحاجات وحصول المطالب، فلنتق الله في أنفسنا ولنسعَ في انشراح صدورنا بالآداب الشرعية التي أدبنا بها ربنا وأدبنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم. ; الخطبة الثانية: الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعد: أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى. عباد الله، العبد في هذه الدنيا لا يخلو من مصائب، ولا يخلو من أمور تكدر صفو حياته، إنسانٌ فشِل في أعماله، وآخر خسرت تجارته، وآخر لم ينجح في دراسته، وآخر عرضت عليه عقبات حالت بينه وبين تطلعه وآماله، وآخر أصابته أمراض وحوادث، أمراضٌ متنوعة وحوادث مفاجئة، وآخر فقد ولده، فقد ماله، فقد عزيزاً وغالياً عليه، كل هؤلاء وأمثالهم لمن يلجؤون؟ وكيف يعملون؟ إن من أصيب بتلك المصائب على اختلافها لا بد له أن يأخذ بالأدب النبوي الذي يخلصه من هذه المصائب، يقول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل"، ويقول صلى الله عليه وسلم "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله عجب إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وليس ذلك إلا للمؤمن"، أما من أصابته تلك المصائب وأمثالها فأراد التخلص منها إما والعياذ بالله تخلص منها باللجوء إلى الأمور المحرمة كمن يلجأ للانتحار نسأل الله العافية، أو من يلجأ إلى ارتكاب الجرائم الأخلاقية من سرقة ونهب وغير ذلك، أو من يلجأ إلى المحرمات كالمسكرات والمخدرات ويزعم أنها تفرج همه وتنسيه همومه وغمومه، كل هذه البلايا ضرر عظيم فعليك أيها المسلم أن تتق الله وتأخذ بهذه التوجيهات الإسلامية وتحذر الالتجاء لهذه الأخلاق الانحرافية، لهذه الأخلاق السيئة، لهذه الأعمال المشينة، فأنت في الدنيا مبتلىً لتسلم وترضى بقضاء الله وقدره، إذاً فلا بد للمسلم من أمور: أولاً الرضا بقضاء الله وقدره، والاعتقاد حقاً أن ما جرى بقضاء الله وقدره (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد:22-23]، (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن:11]، ثم الأخذ بالأسباب، الأخذ بالأسباب النافعة التي توصلك إلى المقصود مع الاستعانة بالله، ثم إرادة قوية تواجه بها تلك المصائب بالصبر والتحمل والرضا ثم أيضاً مع هذه الإرادة، إصلاح وضعك الحاضر، والحرص على مستقبلك، وتجاهل الأمور الماضية، فكأنما كانت، وتستقبل أمراً جديداً بحزمٍ وثقةٍ بالله، واعتماداً عليه وتوكلاً عليه، والأخذ بالأسباب النافعة، ولا تستلم للهموم والأحزان، وتكون دائماً حبيس البيت، تتذكر همومك وأحزانك، تلك لا تغني شيئا، وإنما الذي يغني الجد والأخذ بالأسباب النافعة، وقوة الإرادة والثقة بالله (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:105]. أيها المسلم، إن المؤمن إذا أخذ بهذه الأسباب تخلص من كثير من هذه المصائب والمتاعب، والثقة بالله مع الأخذ بالأسباب النافعة والاستعانة بالله في كل ما أهم الإنسان فإن هذا من أسباب انشراح الصدر ومواجهة المصائب والمتاعب. أيها المسلم، كيف يكون منشرح الصدر من ضيع الصلاة، وبخِل بالزكاة، كيف يكون انشراح الصدر من عق والديه، وقطع رحمه، كيف يكون منشرح الصدر من ظلم عباد الله فأكل أموالهم ظلماً وعدواناً، وسرق أموالهم ونهبها، وجحد الحقوق الواجبة عليه، كيف يكون منشرح الصدر من كان دائماً يقبل الرشوة ويأخذها، ويرضى بها، ويعطل أعمال الناس حتى يأخذ عليها المزايدة، كيف يكون منشرح الصدر من أكل الربا، كيف يكون منشرح الصدر من كان مساهماً في تصدير المخدرات والمسكرات وترويجها في المجتمع المسلم، كيف يكون قرير العين من همه سرقة أموال الناس، والتسلط عليهم، ولا يغامر في ذلك ولو كان في ذلك حتف أنفه، كل أولئك ليسوا على الطريق المستقيم، المؤمن ذو عملٍ وجدٍ، وأخذٍ بكل سببٍ نافعٍ يؤدي إلى تحقيق مقصوده مع الإستعانة بالله، والثقة بالله، والتوكل عليه، والأخذ بالأسباب النافعة، فإن الله جل وعلا ربط الأسباب بمسبباتها مع الثقة بالله، والاعتماد عليه، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق والاستقامة عليه إنه على كل شيء قدير، يقول الله جل وعلا: (فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام:125]، هكذا حال المجرمين، حال المنحرفين عن الطريق المستقيم، هم في حسرة وشقاء وعذاب عاجل قبل العذاب الآجل، هؤلاء مروجي المخدرات والمسكرات أموالهم حرام ويعرضون أنفسهم للهلاك والعياذ بالله فلا يرضون بطيب العيش وإنما يرضون بهذه المحرمات، هؤلاء السراق الذين ليلهم سرقة ونهارهم نوم وكسل كل حياتهم شقاء لا يهنئون بعيش ولا يطمئنون لراحة، إن المؤمن المستقيم على طاعة الله الموفق للعمل الصالح هو في راحة ونعمة، يقول الله: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) [الانفطار:13]، نعيم في الدنيا بالطاعة، ونعيم في البرزخ، ونعيم يوم لقاء الله، فنسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق والاستقامة عليه إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصَلُّوا رَحِمَكُم اللهُ على عبدالله ورسوله محمد، كما أمركم بذلك ربُّكم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]. اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين الأئمةِ المَهدِيِّين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانِكَ، يا أرحمَ الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، ودمِّرْ أعداءَ الدين، وانصُرْ عبادَك المُوَحِّدين، واجعلِ اللَّهُمَّ هذا البلدَ آمنًا مُطمئِنًا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللهم أصلح قادة المسلمين، ووفقهم لما فيه خير لدينهم وشعوبهم إنك على كل شيء قدير، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَ الله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، اللهم أمده بعونك وتوفيقك وتأييدك، اللهم كن له عوناً ونصيراً في كل ما أهمه، واجعله بركة على نفسه وعلى أمته والمجتمع المسلم، اللهم وفق ولي عهده سلطان بن عبدالعزيز لكل خير وأمده بالصحة والسلامة والعافية، اللهم وفق النائب الثاني نايف بن عبدالعزيز لكل خير وأعنه على مسؤوليته، إنك على كل شيء قدير (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10]، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23]، (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) [البقرة:201]. عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون. ;هـ1432-10-18 ;