الاستفادة من قصة موسى مع فرعون وفضل شهر محرم

الخطبة الأولى: إن الحمد لله ونحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هاديه له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى حق التقوى عباد الله، بعث الله الرسل لهداية الخلق بعث الله الرسل لهداية الخلق ودلالتهم على الطريق القويم والصراط المستقيم، ودعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ودعوتهم إلى عباد الله وحده لا شريك له، واحترام الدماء والأموال والأعراض وتحذيرهم من الفواحش والمنكرات والفجور وأنواع الظلم والعدوان، وتخليصهم من كل من يريد استعبادهم وإذلالهم من الجبارين والمتكبرين والطغاة الظالمين ومن الطواغيت والشياطين والسحرة والكهان والمشعوذين، والله جل وعلا قد منح أنبياءه آيات دالة على صدق رسالتهم، وصدق ما جاؤوا به يقول صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا أتاه من الآيات لا على مثله آمن البشر وإن الذي أوتيته وحي أوحاه الله إلي فأرجوه أن أكون أكثرهم تابع"، ورسل الله عليهم السلام دعوتهم واحدة عقيدة توحيد الله يقول صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء أخوة علات أمهاتنا شتى وديننا واحد"، وقد أخبر الله جل وعلا عن دعوة جميع الرسل وأنهم جميعهم دعوا إلى عبادة الله وإخلاص الدين لله منذ نوح عليه السلام إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قال الله جل وعلا: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وقال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وقص الله علينا دعوة الأنبياء، فنوح عليه السلام يقول لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، وقال عن صالح (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، ودعوا مع توحيد الله إلى تحذير الناس من الأخلاق الرذيلة فقال عن صالح عليه السلام أنه قال لقومه: (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ)، وقال عن لوط عليه السلام إذ قال لقومه: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ* وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ)، وقال عن شعيب (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ)، وهكذا دعوة كل الأنبياء إلى عبادة الله وإخلاص الدين له ودعوة الخلق إلى ذلك، ومن أولئك الأنبياء والرسل موسى بن عمران عليه السلام كليم الرحمن أحد الخمسة الذين هم أولو العزم الذين قال الله فيهم: (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، فموسى بن عمران أحد الخمسة العزم وهو كليم الرحمن أرسله الله إلى أعظم طاغية على وجه الأرض إلى فرعون الذي تكبر وتجبر وقال: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى)، بعثه الله إليه داعيا إلى الله جل وعلا وإلى عبادة الله وترك ما هو فيه من الطغيان والظلم والجبروت ولكن موسى عليه السلام سأل ربه العون والتأويل والتأييد فقال: (قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى* قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، فجاء موسى وأخاه هارون إلى فرعون داعيا إلى الله يدعونه إلى الله وإلى توحيده وعبادته، ولكن الكبر والظلم ملأ قلبه فأبى وتكبر وسخر بموسى عليه السلام وقال له: (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ)، فمنح الله موسى آيتين عظيمتين ومعجزتين عظيمتين فمنحه العصا واليد (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، تلتقط كل ما حولها (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ)، تلك آيات ظاهرة وحجج قاطعات على صدق ما جاء به موسى عليه السلام، وما زال موسى مع فرعون يجادله ويناضله ويقيم حجته عليه وهو في كبريائه يصف موسى بالجنون ويصفه بالسحر وكل تلك مغالطات وضلالات والله يقول عنه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)، ما زال موسى يدعوا إلى الله ويعلن دعوته صريحة إلى هذا الطاغية العظيم ويبين باطله ويكشف عوره والله يؤيده ويثبت قلبه ويقوي يقينه، فلما اشتد الأمر على موسى عليه السلام وعظم الكرب عليه وأراد فرعون أن يعاند ويقاتل الحق بالباطل طلب من موسى عليه السلام المناظرة لكي يتبين الصادق من الكاذب فطلب من موسى عليه السلام مناظرته علنية وجمع سحرته وأعوانه ليناظروا موسى عليه السلام قال الله جل وعلا: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى* فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)، أتى بالسحرة وجمعهم بأنواع سحرهم وضلالاتهم ودجلهم، ولكن الحق يعلوا والباطل ينخفض أمام الحق، جاء موسى عليه السلام جاء موسى وأخاه هارون ومع موسى عصاه التي يتكئ عليها وجاء السحرة وحبالهم وعصيهم يخيل لموسى أنها حية تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قال الله: (قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى* وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) ألقى موسى عصاه فألتقمت تلك الحبال والعصي وثبت أنها باطلة وأنها تخيلات لا حقائق لها، فلما رأى السحرة تلك الآية المعجزة العظيمة التي مع موسى تلك العصا خضوا لله سجدا (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) لقد كانوا من قبل يطلبون من فرعون أن يمدهم بالمال ويقربهم إليه (قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ* قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ) ولكن ((جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)، فبعد هذه المناظرة وبعد ما تبين الحق وتبين الباطل وذله وضعفه وأن الباطل لم يقف أمام الحق بل كان الباطل زهوقا (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)، عند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يسري بقومه ويفارق بلاد فرعون وخرج موسى عليه السلام بقومه واتبعهم فرعون بجنوده وقال (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ* وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) فأمر الله موسى أن يضرب البحر فانقسمت طرق عديدة وصار كالطود العظيم فسلكه موسى وقومه آمنين مطمئنين ثم سلكه بعده فرعون فأطبق الله على فرعون وأغرقه وجنده عقوبة وانتقاما من الله وعقوبة على فرعون وقال (أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ* فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ). أيها المسلم، إذا قرأت كتاب الله ورأى قصة موسى مع فرعون في آيات كثيرة من القرآن فيها عظة وعبر ودروس يتأملها المسلم في شؤون حياته كلها فأنت إذا قرأت كتاب الله وقرأت قصة موسى في سور القرآن مبسطة وتارة مختصرة علمت الأمور التالية فأول ذلك أن كل متكبر ومتجبر مبتعد عن الله أن الكبر والجبروت مآل صاحبه إلا الهلاك والزوال فالتكبر على الله والعلو على عباد الله والتعاون إلى أن يبلغ به الإنسان الكفر والضلال كل هذا ولله فضل لا بد أن يضمحل ولا بد أن يزهق ويتضح. وأمر ثاني: قوة إرادة الله وعظمتها وأنه إذا قال كن فيكون ففرعون ; لعنه الله كان يقتل النساء من بني إسرائيل ذكورهم وإناثهم، فلما خاف على نفسه وأن العمل قد تعطل وأنه محتاج إليهم جعل قتل الرجال سنة وقتل النساء سنة فولد موسى في العام الذي يقتل فيه الذكور ولكن إرادة الله وقدرته جل وعلا حمت موسى من فرعون وطغيانه وألقى الله في قلب امرأته محبة موسى فقال (قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ) وأمر الله أم موسى إذا أرضعته أن تبقيه في اليم فهو محفوظ بحفظ الله له (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ) فإرادة الله فوق كل إرادة أراد البشر من موسى شر ولكن الله جل وعلا حفظه وتولاه. وثالث ذلك: أن الله جل وعلا يحفظ أولياءه ويحيطهم بنصره وتأييده وأن تسلط البشر لن يكون أمام القوة شيئا فالبشر مهما أعطوا من قوة وسلطنه فإنهم لا يستطيعون الوقوف أمام القوة الإلهية. وأمر أخر: أن في قصة موسى عظة للدعاة وتبصير للدعاة أن يصبروا ويحتسبوا ولا يضجروا ويتحملوا كل الأذى في ذات الله إن هم صدقوا في الدعوة إلى الله وكانت دعوتهم دعوة صادقة خالصة قال جل وعلا (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) فالصبر لا بد منه قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). وقفة أخرى: أن المسلم يتأمل هذه القصة العظيمة فيرى أن السحرة يسلكون الطرق الملتوية.. بل طرقهم ملتوية وأساليبهم متعددة لأنهم أهل ظلم وفساد وآكل للأموال بالباطل. ومن تلك الوقفات أيضا: أن تعلم أن السحر ليس يوم في الأيام مع الحق ولكن السحر مع الباطل وأهله فلم يكن للسحرة يوما في سبيل الحق ونصرة دين الله ولكن السحرة هم أعداء الدين أعداء الأمة هم أعوان اليهود وكل خارج عن طريق الله المستقيم قال جل وعلا (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) وأن السحر ضرر محض لا خير فيه فيتعلم (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) وأن السحر بلاء على الأمة ومصاب على الأمة فالسحرة لا خير فيهم لا يجوز إتيانهم ولا قصدهم "من أتى كاهنا وسأله عن شيء لم تقبل صلاته أربعين يوما" وفي لفظ: "من أتى كاهن وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد"، فالسحرة مهما ادعوا أنهم يقربون ويصلون بين الرجل وامرأته أن ذلك كذب وباطل فإنهم مهما فعلوا هم أعداء للإسلام أعداء للدين أعداء للعقيدة لا يمكن من أتاهم أن يرجع منهم إلا وقد أفسد دينه وأضعف إسلامه وإيمانه فالحذر الحذر منهم فلا خير فيهم، أن السحرة طلبة مادية فقط قالوا لفرعون (قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ* قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ) فهم طلبوا المادة لأن الساحر يفسد عقيدة الإنسان ويسلب ماله فهم ضرر محظ ولا يمكن أن يستفاد منهم ولا يحسن الظن بهم. ومن تلك الوقفات: أن يتبين أن أهل الباطل والفساد يصفون شرهم وفسادهم بالإصلاح ويصفون أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالفساد هكذا المفسدون هكذا أعداء الرسل في كل مكان يصفون أنفسهم بأنهم المصلحون ويصفون أهل الدين بأنهم أهل فساد قال الله عن المنافقين (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) قال الله: (أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) وقال فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) كل صاحب بلاء وفتنة وكل صاحب مفسدة يجعل فساده وضله وضلاله إصلاحا وبالهدى وبالحق فسادا دعاة الظلال دعاة الإلحاد والكفر يرون أنهم يصلحون وأن الدعاة إلى توحيد الله وإخلاص الدين لله أنه فساد أو بعض الطرق الصوفية ذوي الآراء الشاقة والأفكار البعيدة عن الهدى يرون منهجهم وطرقهم الضالة يرونها صلاحا ويرون المتمسك بكتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم ; يرونه مفسدا لأن الطرق الصوفية الضالة المنبنية على غير الهدى والحق هي كلها فساد بحد ذاتها فساد وظلال لكن هؤلاء المخدعون يرون أنهم مصلحون، وأن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أهل فساد كما يزعمون، دعاة الاختلاط بين الجنسين الرجال والنساء يقولون عن دعوتهم إنها صلاح وإنها إعطاء للحقوق وحفظ لحق الجنسين فيرون الاختلاط في الجنسين مهما يكن فيه من فساد وأضرار لكن يرونه صلاح وهذا من انتكاس الفطر وزيغ القلوب فإن دعاة الفساد أحيانا قد يدعون إلى باطلهم جهلة منهم أنه فساد وقد يقتنعون بالفساد وتلك المصيبة (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) الداعون للربا والمعاملات الربوية يرون أنهم محسنون للناس ومصلحون للناس وميسرون عن أمور ولا يعلم المسلم أن هؤلاء يتاجرون بالربا ضلالة للبشرية ويسبون ماله لكن الأضرار المترتبة على المعاملات الربوية كلها ضلال وظلم وعدوان على الإنسان، فالربا ظلم وليس بعدل وفساد وليس بإصلاح إن الإصلاح الحقيقي هو إتباع كتاب الله وإتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال الله: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) فليحذر المسلم أن يكون داعي فساد من حيث لا يشعر وليعلم أن الصلاح والخير إنما هو إتباع الكتاب والسنة وأن ;ما سوى ذلك فإنه فساد فكل داعي إلى ضلالة وكل داعي إلى شر فإنه مفسد، دعاة الفوضى الذي يدعوا الأمة إلى الفوضوية وإلى الاضطراب وإلى الإخلال ;بالأمن وإلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض ونهب الأموال وإفساد في الأرض يرون دعوتهم إصلاحا ويرون من يدعوا إلى الأمن والاستقرار والطمأنينة وحفظ الدماء والأموال والأعراض يرون ذلك جنونا ويرون ذلك فساد فالصلاح عندهم إفساد المجتمع وإحداث الفوضى بين صفوفه وضرب بعضه ببعض يرون هذا صلاح وهذه الأمور والعياذ بالله دعت إلى تدمير الأمة وإفساد كيانها وإضعاف قوتها فليحذر المسلم أن يغتر بالباطل من حيث لا يشعر وأن يدري كل دعوة وكل دعاية بأي مبدأ يبدى من المبادئ أن يزنه بميزان الوحي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيجعل الحق ما وافق الشرع والباطل ما خالف الشرع فيا دعاة الفوضى ويا دعاة الفتن ويا دعاة المصائب اتقوا الله في أنفسكم وتأملوا واقع الأمة وحذروا أن تكونوا دعاة مفسدين من حيث لا تشعرون فليتقِ المسلم ربه وليعلم أن إصلاح الحق هو إتباع الكتاب والسنة فإنها صلاح على الحقيقة وما سوى ذلك فساد (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ). فيا أمة الإسلام، أنه لا صلاح للأمة ولا استقامة لها ولا طمأنينة لها إلا بإتباع كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم فهو الخير وهو الصلاح وهو الهدى وهو الفلاح. نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق والاستقامة ; عليه وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إنه على كل شيء قدير أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم وسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم. ; ; الخطبة الثانية الحمد لله حمدا كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى حق التقوى عباد الله، أنتم اليوم في اليوم الخامس أو السادس من شهر محرم هذا الشهر العظيم هو أول شهور العام هذا الشهر العظيم الذي اتخذه المسلمون مبدأ للتاريخ الهجري ففي عهد عمر رضي الله عنه رأوا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أن يجعلوا محرما أول أشهر العام الهجري محرم هو أول العام الهجري وجعلوه وقت الهجرة لأن الهجرة الإسلامية نقلة عظيمة نقلت المسلمين من القلة إلى الكثرة ومن الضعف إلى القوة ومن الاستكانة إلى الظهور وتكون دولة الإسلام الأولى في المدينة شرفها الله وهذه الهجرة حدث هام للأمة وانتقال من حال إلى حال فرأى عمر والصحابة رضي الله عنهم ; أن يؤرخوا الهجرة بأول شهر محرم فأول كل عامٍ يبتدء بالعام الهجري شهر الله المحرم هذا الشهر العظيم هو أحد أشهر الحرم الذي قال الله فيه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) وكما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن الزمان قد استدار في هيئته يوم خلق الله السموات والأرض اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ذي القعدة وذي الحجة ومحرم ورجب مضر بين جمادى وشعبان"، ; يقول صلى الله عليه وسلم عندما سأل عن أي الصلاة أفضل بعد فريضة قال: "آخر الليل"، وسأل أي الصيام أفضل بعد الفريضة قال: "شهر الله محرم". وهذا الشهر شرع لنا أن نصوم فيه يومين منه وهو يوم التاسع والعاشر أو العاشر والحادي عشر فإما أن نصوم يوم التاسع ويوم العاشر وإما أن ; نصوم يوم العاشر ويوم الحادي عشر ومن صام الأيام كلها فحسن فصومنا هذه السنة إن شاء الله سيكون العاشر يوم الثلاثاء التاسع يوم الاثنين والعاشر يوم الثلاثاء فنصوم الاثنين والثلاثاء لكي نصوم التاسع والعاشر وهذا الصيام له أصلا في الإسلام وذلك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ورأى اليهود يصوموا يوم العاشر سألهم عن ماذا صاموه قالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فقال صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق وأولى بموسى منكم"، فصامه وأمر بصيامه هو حق إن محمدا وأمته أولى الناس بموسى وبأتباع كل الأنبياء أولى بهم من أعدائهم من انتسب إليهم وهو كافر بكل ما جاؤوا به (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) فمحمد أولى بالأنبياء من أتباع الأدعياء لأن محمدا وأمته أمنوا بجميع الأنبياء (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فالنبي صامه وفي آخر حياته قال: "إن عشت إلى قابل لأصومن التاسع"، لكنه توفي قبل أن يصومه ثم شرع لنا صلى الله عليه وسلم أن نصوم يوما قبل يوم العاشر أو يوما بعد اليوم العاشر فقال: "خالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده خالفوا اليهود" فالسنة لنا أن نصوم يوم الاثنين ونصوم يوم الثلاثاء ومن صام الأيام الثلاثة الاثنين والثلاثاء والأربعاء فإن ذلك حسن فيروى في حديث ضعف "صوموا يوما قبله ويوما بعده" لكن في الصحيح "صوموا يوما قبله أو يوما بعده" فالمهم صيام يوم العاشر والسنة لنا أن نسبقه باليوم التاسع أو نعقبه باليوم العاشر. أيها المسلمون، هذا هو يوم المشروع من محرم صيام اليومين التاسع والعاشر هذا المشروع لنا فقط لم يشرع لنا فيه عويل ولا صراخ ولا سخط ولا تأديب للنفس ولا ضرب لها ولا ولا.. إن هذا الدين دين خير وبركة شرع لنا عند المصائب الصبر والتحمل والاسترجاع وعدم الصراخ يقول صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية" هذه الأمور من الجاهلية يحيها بعض المدعين وبعض المنتسبين للإسلام وللأسف الشديد أن ذلك من الضلالات التي ادعى الإسلام منها براء الإسلام منها براء دائما لعلكم تشاهدون في بعض القنوات ينشرون عن بعض الطوائف في اليوم العاشر من محرم ضربًا بصدورهم بالآلات الحادة حتى يخرج الدم وصراخ والعويل والقيل والقال والاستغاثة بغير الله هذه الأمور التي أصبحت وللآسف الشديد شماتة لأعداء الإسلام والمسلمين يرون هذه الأمور الترهات هذا يضرب نفسه ويضرب وجه ويشق جيبه ويدمي نفسه بدعوى أنه يندم على فلان وفلان كل هذه أمور مخالف لشرع الله لم يكن في دين الله ما أنزل الله بها من سلطان، نحن نحب آل بيت رسول الله ونكرمهم ونحترمهم ولكن الصلاح والخير منهم لأن الله يقول: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أما أن نغلوا فيهم ونعبد من دون الله وندعوهم من دون الله ونستغيث من دون الله أو نعتقد عصمتهم أنهم معصومون فكل هذا أمور تخالف شرع الله فما تشاهدونه من القنوات التلفزيونية سينقل لكم من بعض الطوائف ما يفعلوا في اليوم العاشر من ضرب ولطم وصياح وعويل وتعطيل الأعمال وأمور منكرة مبتدعة في دين الله فليعلم المسلم أن هذه أمور تخالف شرع الله وأن موقف أهل المصائب الرضا والتسليم والاسترجاع أما هذه الأمور فإنها مخالفة لشرع الله النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم قال: "القلب يخشع والعين تدمع ولا نقول إلا ما يرضى الرب وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون"، هكذا السنة أما هذا الصياح والعويل والضرب وشق الجيوب ولطم الخدود وضرب الأجساد بالآلات حتى يسفك الدماء وربما مات والعياذ بالله من الضرب المشيب فكلها أمور يخالف شرع الله أمور أحدثت بعد القرون المفضلة أمور ما أنزل الله بها من سلطان أمور هي بعيدة كل البعد عن الإسلام وتعاليمه فنسأل الله الهداية للجميع والتوفيق بما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير. واعلموا رحمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار، وصَلُّوا رَحِمَكُم اللهُ على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانك يا أرحمَ الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللهم وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَ الله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، اللهم كل له عون ونصير لكل ما همه اللهم أمدنه بعونك وتوفيقك وتأييدك ; وبارك له في عمله وماله ومنحه الصحة والسلامة والعافية وجهله بركة على نفسه وأمته وعلى المسلمين أجمعين، اللهم وفق ولي عهده نايف بن عبدالعزيز لكل خير، وسدده في أقواله وأعماله، وأعنه على مسئوليته ووفقه للصواب إنك على كل شيءٍ قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10]، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23]، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23]، اللهم أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثتنا، اللهم سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم ولا غرق. أيها الأخوة، أذكركم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عجب ربك بقنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجه قريب"، في هذا الأسبوع مطرنا بحول الله ورحمته مطرًا نافعا عما جميع البلاد، وسقى المزارع، وملأ الشعاب، فالحمد لله على هذا الفضل ونسأله جل وعلا مزيداً من خيره وفضله إنه على كل شيء قدير، وأن يجعل ما منحنا من الخير عوناً لنا على ما يرضيه (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة:201]. عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون. ; ; ; ; ; ; ; ; ; ;