استغلال العمر قبل الموت

السؤال: 
الموتُ ما منهُ ملاذٌ ولا مهربُ زائرٌ لا يستأذن، وساعةٌ لا تُستقدم ولا تُستأخر وقضاءٌ نافذ لا يستثني أحدًا ولا يُفرقُ بين وضيعٍ أورفيع، وها هي الأيام تمضي والسنون ونحن في غفلةٍ عن ذلك المصير، وما الدنيا إلا ظلٌ زائل وطيفٌ عابر تمضي أيامها وتتصرم لياليها كعقدٍ انفرط وأوراقٍ تساقطت. هل من كلمة في هذا الموضوع؟
الإجابة: 
الجواب: بِسْمِ اللهِ الَّرَحْمَنِ الَّرَحِيم الحَمدُ للهِ رَبِ الْعَالمِين وَصَلَّى اللَهُ وَسَلَمَ وَبَاركَ عَلَى عبدهِ وَرِسُولهِ مُحَمد أَشْرَف الأنْبِيَاء والمُرْسَلين وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أَجْمَعِين وَعَلى مَنْ تَبِعَهُم بِإحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدَّيِن وبعد.. الأخ السائل عرف هذا كما سمعتم وحقًا ما قال الموتُ حقيقةً لابُّد منها كتبهُ الله وقضاهُ على كل خليقة،(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)،ويقول -جَلَّ وَعَلَا-:( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ* كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وأخبر -جَلَّ وَعَلَا- أن الموت أمرٌ لابُّد منهُ ولن ينفع الفرار منهُ مهما أراد قال-جَلَّ وَعَلَا-:(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ)وأخبر-جَلَّ وَعَلَا- أن هذا الموت آتي الإنسان مهما تحصن ومهما حاول التحصن منهُ(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُوَ لَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، وأخبر تعالى أن هذا الموت إذا حل فلا صارف لهُ ولا مانع (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، إن الموت نذير العبد يدعوهُ إلى الاستعداد لهذا المصرع العظيم و التهيؤ لهُ بالأعمال الصالحة ليلقى الله على حُسْني حال قال-جَلَّ وَعَلَا-: (* فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ* وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ* فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ* وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ* فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ* وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، وقال قبلها:(فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ* تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُ مْصَادِقِينَ)وقال-جَلَّ وَعَلَا-: قبل ذلك(فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ* وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ* وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِ لَيْهِ مِنْ كُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ) وقال:( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)وقال -جَلَّ وَعَلَا-: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ* ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ). هذا الموتُ ليس لهُ علامةٌ معينة استأثرهُ الله بعلمهِ(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). هذا الموت إذا حان وقتهُ لابُّد أن يمضيَّ بلا إشكال ولن يستطيع أحدٌ منعهُ ولا أن يحول بينهُ وبينه؛ لأنهُ قضاءٌ ماضي قضاهُ الله على كل الخلق(* إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ*). الموت يأتي فجأة يعني ما يعلم الإنسان ينزل بهِ هذا الموت بأي حدثٍ من الأحداث قد يمرض السنين الطويلة ثم يشفى، وقد يكون الموت بأول حدث يحدثُ عليه،فنسأل الله العفو والعافية وأن يجعل ميتتنا على كتاب الله وسُنة رسُولهِ -صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأن نتعظ ونعتبر بمرور الأيام والشهور والسنين وأن ما مضى من أيامنا أو شُهورنا أو أعوامنا فإنهُ مضى بما مضى عليه وختمناه بما ختمناهُ عليه، ويوم القيامة يطلع الإنسان على أعماله كلها؛ (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً* اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)،( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) هكذا حال العبد يوم القيامة يرى في صحيفة أعماله، أعماله الصالحة، وأعماله السيئة، يرى كل ما كان، قال -جل وعلا-: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً*). فنسأل الله أن يوفقنا لعمل صالح وأن يختم حياتنا بخاتمة خير، وأن يجعل آخر ما نقول شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أن يختم الله بها أقوالنا وأعمالنا، فنكون من الفائزين بفضله ورحمته.