المقاصد الشرعية لحسن الخلق.

السؤال: 
حديث عن الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-: أَنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا» متفقٌ عليه؛ ما هى المقاصد الشرعية في مثل هذا الحديث بارك الله فيكم؟
الإجابة: 
الجواب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللهُم صَلِّى عَلَى عَبْدِكِ وَرَسُولِكْ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ. يقول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا»، حسن الخلق فضلٌ من الله على من يشاء من عباده، فإن من حَسُن خلقه استفاد الناس منه، وبثَّ الخير ودعا إليه، وتأسوا به الناس وارتاحوا لأجله، وأفضوا إليه همومهم وأحزانهم. أما سيء الخلق فتنفر منه الطبائع لأن خلقه سيء، إذا تكلم أساء الكلام، فهو لا ينصح لخير ولا ينهى عن شر بل هو أحمق، سريع الغضب لا يمكن التخاطب والتفاهم معه، فهذه مصيبة عظيمة لذلك وصف الله نبيه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فبيَّن أنه على خلق ووصف ذلك الخلق بأنه عظيم، وناهيك بخلقٍ عظمه اللهُ على كماله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأنه أكبر خلق الله مروءةً وأخلاقًا -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-. والله يقول في كتابه العزيز: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) الآية، بيَّن اللهُ -جَلَ وَعَلا- له أسباب إلتفاف الصحابة حوله، وأسباب محبة أصحابه له، أنه ذا حلم وخلقٌ طيب، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أن الله رحمه فأعطاه هذا الخلق العظيم، ولو كان فظًا غليظ القلب لأنفضوا من حوله، ولكن لكمال أخلاقه وشراحة صدره، وطيب نفسه أحبه الناس. ولهذا يذكرون أن زيدًا بِنْ حارثة مولى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُخذ من أهله وبِيع في مكة، وكان عند خديجة فأهدته للنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فجاءه أهله ليخلصوه من الرِقْ لأنه عربي، فقال: "رأيت رجلًا -ويعني محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن أعدله بغيره"، أو أجعل غيره مكانه بل أنا متعلق به وإن كنت رقيقا"، فإن ما عند هذا الرجل من القيم والفضائل جعله يتمسك به، فقدَّم صُحبة النَّبِيِّ على قومه مع أنه باقٍ على رِقِه! لكنه رأى أخلاق محمدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخلاقًا عالية، أخلاقًا سامية، أخلاقًا تجاوزت الحدود لكمالها ولفضلها، ولهذا أختار البقاء عند النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فكان شرفًا له أن يقال عنه مولى محمدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فيا دعاة الإسلام: حسَّنوا أخلاقكم، وعاملوا الناس بالخير؛ وأرفقوا بالجاهل وأحلموا عليه، وعلموا برفقٍ وبصيرةٍ، واصبروا على قلة فهمه وإدراكه، وحاولوا أن تقربوا له المسألة بأيسر العبارات وأسهلها، ترغيبًا له في الخير فلعل اللهُ يجعل على أيديكم خيرا، وإن موازين العبد يوم القيامة تثقُل بحسن الخلق، وحسن يقول فيه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كاد حسن الخُلق أن يذهب خيري الدنيا والآخرة" .