خطبة يوم عرفة لعام 1429هـ
خطبة يوم عرفة لعام 1429هـ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أيها الناس، يا من خلقتم لأمر عظيم، وهيئتم لشأن جسيم.
أيها المسلمون، يا من شرفكم الله بهذا الدين القويم وجعلكم خير أمة أخرجت للناس حملتم الرسالة العظمى رسالة الدين الخالدة في إسعاد البشرية وهدايتها، حجاج بيت الله الحرام، يا من وطأت أقدامكم تلك الأرض الطاهرة، الأرض المباركة، يا من أجبتم داعي الله، يا من فارقتم الوطن والأهل والمال، يا من وحدتكم، يا من جمعتكم رابطة لا إله إلا الله في مظهر واحد، ومكان واحد، وغاية واحدة هي عبادة الله وحده لا شريك له.
يا معشر المسلمين، يا من أظهروا فرحأ بهذا اليوم العظيم، يا من صاموه يرجون ما رتب عليه من الفضل العظيم، أوجهوا نصيحتي لكم، ووصيتي لكم من هذا المنبر المبارك، فأقول أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله وصية الله للأولين والآخرين: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)، تقوى الله دعوة الأنبياء، وشعار الصالحين، وكل نبي يقول لقومه: ألا تتقون. وأولياء الله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، تقوى اللهفرقان بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال عرفان تنجلي به الأمور، ونور تنشرح به الصدور): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، تقوى الله به تيسير الأمور، وتفريج الكروب، وإعظام الأجور: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)، تقوى الله عنوان الكرامة بالدنيا والآخرة: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، تقوى الله الطريق للنجاة من النار بعد الورود عليها (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)، (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ)، (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا). لقد أرسل الله محمد -صلى الله عليه وسلم- بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراج منيرا، بعثه والخلق يعيشون في بيداء من الكفر والضلال، يعيشون حياة الجاهلية الفوضوية، لا حق يقام ولا هدي يتبع ولا قائد يجتبى ولا إمام دعوة يتأسى بدعوته، فبعث الله محمدا -صلى الله عليه وسلم-، أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، هداهم به بعد الضلالة، بصرهم به بعد الغواية، أصلحهم به بعد الفساد، علمهم بعد الجهالة: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)، دعا إلى الله وإلى إخلاص الدين لله، وبين لهم أن هذا الدين الإسلامي قام على أركان خمسة: " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، و إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام"، أخبرهم أن الإنسان لا يمكن إسلامه إلا بعد الإقرار بهذه الأركان، والإتيان بها كاملة بإيمان وإخلاص.
أيها المسلمون، لن تزل قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فجواب ما كنتم تعبدون: بتحقيق كلمة التوحيد لا إله إلا الله علما وإقرارا وعملا. وجواب السؤال الثاني: ماذا أجبتم المرسلين؟ بتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله علما وإقرارا وتأسيا وطاعة، كلمة التوحيد معشر المسلمين، كلمة التوحيد لا إله إلا الله حقيقتها كما دل القرآن عليه لا معبود حق إلا الله، فلا دعاء إلا لله، ولا استغاثة حقيقية إلا بالله ولا ذبح ولا نذر إلا لله، ولا تتعلق القلوب محبة ولا رجاء إلا بالله، ولا خوف ولا رجاء إلا من الله، هي أساس الملة وأًصل الدين هي قاعدة الإسلام؛ لأجلها خلق الله الخلق؛ ولأجلها أرسل الله الرسل؛ ولأجلها شرع الجهاد، ولأجلها افترق الناس فريقين: فريقا في الجنة وهم الموحدون، وفريقا في النار وهم الكافرون الضالون. كلمة لا إله إلا الله، كلمة لا إله إلا الله، هي مفتاح الجنة وثمنها، ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة. كلمة لا إله إلا الله توجب دخول الجنة والفوز بها، وتكفير السيئات برحمة الله، ففي حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". كلمة لا إله إلا الله أفضل ما ذكر الذاكرون، "خير ما قلت أنا والنبيون قبلي يوم القيامة عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، أسعد الناس بشفاعة محمد يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه. قال أبو هريرة -رضي الله عنه- من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال:" من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه"، إن الظفر بهذا الثواب العظيم لقائل: لا إله إلا الله لا يكون إلا لمن عرف حقها، واستكمل شروطها، فأعظم ذلك العلم بما دلت عليه نفيا وإثباتا، نفي الشرك بغير الله وإثباتا التوحيد لله، واليقين التام لمعناها لقائلها مع الإخلاص لله: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)، الصدق لقائلها، ومحبتها ومحبة العمل بها، القبول والانقياد لها: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور).
معشر المسلمين، الصلوات الخمس ركن الدين العظيم، وأساسه المتين، فلا حظ بالإسلام لمن ترك الصلاة، هي البرهان الصادق على صحة الإيمان، هي البرهان الصادق على صحة الإيمان، ولاحظ بالإسلام لمن ترك الصلاة : " بين العبد والكفر –أو قال: والشرك- ترك الصلاة" "والعهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"، هي سبب لانشراح الصدر، وقرة العين، وقوة العقل والنهي عن الفحشاء والمنكر، تبعد الكسل وتجلب النشاط، وتؤلف القلوب إذا أقيمت الجماعة، الزكاة ركن الإسلام الثالث، شرعها الله طهرة للمزكي من البخل والآثام، وتوعد الباخل بها بأعظم الوعيد، وشرعها تزكية للنفس، ونماء للمال، وسد لحاجة المحتاج، وترسيخ المحبة بين طبقات المجتمع، صوم رمضان شرع رحمة وإحسانا؛ لتقوية التقوى والإخلاص، واستشعار مراقبة الله، وترويض النفس على ترك المشتهيات لله، والشعور بحاجات المحتاجين، حج بيت الله الحرام، الركن الخامس من أركان الإسلام، افترضه الله على المسلم المستطيع في عمره مرة.
أيها الناس، كتب عليكم الحج، فحجوا شرع لتحقيق التوحيد والخضوع والاستجابة لله، والخضوع له والرجاء في دار الآخرة هو عبادة قلبية وقولية، وعبادة بالفعل، وعبادة بالمال، وترويض النفس على الصبر وأداء الواجب، وسبب لتأليف القلوب، وإِشعار لما بين المسلمين من روابط في هذا المواقف العظيمة. هذه أركان الإسلام إذا أداها المسلمون صار المجتمع مجتمعا طاهرا نقيا يظهر الحق ويتحر العدل، وصلاح بقية الدين بصلاح تلك الأركان، وصلاح الأمة بصلاح دينها.
أيها المؤمن الكريم، إن إيمانك أغلى شيء تملكه بالحياة، أعز شيء عليك، يميزك من ملل الكفر والضلال، إيمانا يصلك بربك، ويعطيك التصور التام عن حقيقة الكون، إيمان يربطك بماضيك ويصلك بمستقبلك بعد موتك، هكذا الإيمان الصحيح، أقامه الله على أركانه الستة: إيمان بالله، إيمان بربوبيته وأنه الرب الخالق المتصرف بالكون كله لا خالق سواه ولا رب غيره، تؤمن بإلوهيته واستحقاقه للعبادة وأسمائه وصفاته: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ)، (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، تؤمن بملائكة الرحمة، تؤمن بوجودهم، وبما كلفوا به من أعمال: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)، (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، تؤمن بأنهم عباد الله المكرمون، لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، تؤمن بكتب الله السابقة، وأن الله أنزل كتبا وصحائف لهداية البشر، وأنها كتب من عند الله، وتؤمن بما صح من أخبارها مما خلى من التحريف والتبذير، وأن القرآن ناسخ لها، جامع لمعانيها مهيمن عليها: (وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)، تؤمن برسل الله السابقين، وأن الله أرسلهم قصا علينا من قص، وأخفى علينا من أخفى، فنؤمن بكلهم وأنهم رسلا من عند الله، أدوا الأمانة التي ائتمنهم عليها، نؤمن بهم كلهم، وأن الكفر بواحد كفر بالكل، فمن أنكر رسالة موسى أو أنكر رسالة عيسى فقد كفر بكل الأنبياء، ومن أنكر رسالة محمد بن عبد الله فقد كفر بكل الأنبياء: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقول: ونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا *أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)، نؤمن باليوم الآخر بالمبدأ والمعاد: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ)، (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ *ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)، نؤمن بالجزاء والحساب: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)، (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)، نؤمن بالجنة والنار كما بين الله في كتابه، وبينه رسوله -صلى الله عليه وسلم-، نؤمن بكمال علم الله وإحاطته بكل شيء، وأن الله عالم والعباد عاملون بدقيقها وجليلها وسرها وعلانيتها كتب هذا العلم قبل أن يخلق الخليقة بخمسين ألف سنة، ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، هذه عقيدة المسلمين، عقيدة كاملة لا نقص فيها، عقيدة واضحة لا خفاء ولا غموض فيها، عقيدة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أي نقص منها فمردود، وأي إضافة لها فمردود، وأي فهم لها على غير ما فهم الصحابة والتابعون ففهم خاطئ غير مقبول.
أمة الإسلام، إن تأصيل أركان الإسلام، وأصول الإيمان في قلوب الناس يحقق لهم الأمن في الدنيا والآخرة: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)، إن الأمن والحياة الطيبة لا تتحقق إلا لمن آمن بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا رسولا: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُـزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ).
أمة الإسلام، لا شك أن الأمن من أهم مطالب الحياة، وهو ضرورية لكل جهد بشري، والمصالح في الأمة وتطلعها وآمالها، وهو هدف تسعى له المجتمعات البشرية، وتتسابق لها الأسر الدولية بكل ما أوتيت من إمكانات مادية أو فكرية، وبعظيم الأمن نوه الله به في قوله: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ *الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، وقال جل وعلا مذكرا سكان بيته الحرام: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)، وقال عن أصحاب الحجر: (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ).
أمة الإسلام، إن طلب الأمن مقدما على طلب الرزق والكساء، وذلك أنه لا هناء بمنام، ولا لذة بطعام، ولا أمن في مكان، ولا رغد عيش إذا اختل الأمن -والعياذ بالله-، إذا اختل الأمن -والعياذ بالله-، ولهذا قدمه الخليل في دعائه: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ)، فأجاب الله الدعوة بقوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، ودعا الله قائلا: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)، فأجاب الله دعوته، وجعله أصل الحضارات، والتقاء أفئدة المسلمين: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)، بالأمن والإيمان تتحد كلمة الناس، وتزدهر الحياة، وتوحد الأمة، وينتشر العدل، وتؤدى شعائر الإيمان بطمأنينة وأمان، وتغدق الأرزاق، والأمن من أقوم السعادة: " من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه وليلته، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"، إن توفير نعمة الأمن، والمحافظة عليه لا بد له من أسباب، فمن أعظم الأسباب: إصلاح العقيدة بالبعد عن الشرك وإحسان الأعمال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، ومن أسباب تحقيق الأمن طاعة ولاة الأمر واجتماع الكلمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)، ومنها شكر النعمة، فبالشكر تدوم النعمة ويشيع الأمن، ومنها: إقامة حدود الله بردع المجرمين والآثمين المتلاعبين بدماء الناس وأموالهم وأعراضهم، فشرع الله الحدود والقصاص والتعزيرات لإيقاف هؤلاء عن حدهم، الذين ضعف الإيمان في نفوسهم، فلم تؤثر فيهم المواعظ والزواجر، ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقلص الجرائم، ويحمي الأخلاق، ويحفظ الأمة من الانهيار، وهو صمام أمان لهذه الأمة، وهو خلق هذه الأمة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، وهو سبب التمكين بالأرض: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور)، إن لعواقب اختلال الأمن عواقب وخيمة، ونتائج سيئة، فإذا اختل الأمن -والعياذ بالله- تغير الحال ولم يهدأ لأحد بال، وسفكت الدماء البريئة، فأرملة النساء، وأأتم الأطفال، وانتهكت الأعراض، وسلبت الأموال والممتلكات، وإذا اختل الأمن فشاء الجهل، وفشا الظلم، وحل الخوف محل الأمن والفقر محل رغد العيش، أعاذنا الله وإياكم حال السوء.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، ولهذا جاءت النواهي الشديدة الأكيدة لتحريم كل من يحاول إعاقة الأمن، ونشر الفساد والعدوان، والله لا يصلح عمل المفسدين.
أمة الإسلام، إن مفهوم الأمن في الشريعة الإسلامية لا يقتصر على المفهوم المتبادل منه ولكنه عام في كل ما تحتاج البشرية إليها في دينها ودنياها، أمن عام في كل ما تحتاجه البشرية من أمور مادية أو معنوية لكل فرد أو جماعة مسلم أو غير مسلم، فمن أنواع الأمن في الشريعة: الأمن العقدي، بالمحافظة على عقيدة أهل الإسلام الغراء مما يخدشها أو يزعزعها وينقضها، بالدعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له والبعد عن المخالفات الشرعية. ومنها أمن النفس، فالإسلام هو السعي في إصلاح النفس، وإزالة القلق والخوف عنها بالإيمان بالله والرضا بحكمه وإتباع شريعته والإنابة إليه قال جل وعلا: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، والنبي يقول: "أرحنا يا بلال بالصلاة"، فالمسلم يسعى في الطريق إلى الله يمده إيمانه بالرجا والعمل في الله، وأن الله لا يضيع من أجر من أحسن عملا، وأن أعماله محفوظة له وسيجاز بها يوم القيامة. ومنها الأمن الأخلاقي، بتربية المجتمع على الأخلاق والقيم السامية، على الطاهر والعفة والحكمة والحياة والبعد عن الأخلاق الرذيلة الهابطة التي لا خير فيها. ومنها الأمن الأسري والاجتماعي، وذلك بتربية الأسرة السعيدة القائمة على قواعد الأخلاق والروابط المشروعة الطاهرة مع العناية بها من التفكك والضياع والاعتناء بها، وكل مسئول عن رعيته مع المحافظة على بر الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الجار والضيف، والإحسان إلى الأيتام والمساكين، وتحقيق التكافل المشتمل بالمجتمع عند المسلمين.
أمة الإسلام، وهناك أمن سياسي، وحقيقة الأمن السياسي: المحافظة على وحدة الأمة، وجمع كلمتها، وتوحيد صفها، والوقوف سدا منيعا أمام من يخل بأمنها واستقرارها لاسيما إذا اضطربت الأحوال، واختلفت فيه الأوضاع، مما يؤكد حقيقة التزام الأمة من التفاف حول قيادتها للحذر مما مكائد أعدائها، والقيادة الحكيمة عليها النظر الدقيق، والفكر البعيد والنظر والانتباه في أن الأعداء يسعون مستهدفة من قبل أعدائها، يسعون لنزع كيانها، وإضعاف شأنها من خلال إيجاد نزاعات مختلقة، وإشعال فتيل خلافات مختلقة حتى يضعوها موضع التهمة؛ ليدخلوا في شؤون الأمة؛ فالحذر، الحذر من مكائد أعدائنا؟! ومنها أمن اقتصادي، لقد وضع الإسلام أسس عادلة لقيام اقتصادي قوي متين بعيد عن الربا والظلم، ومن مميزات هذا أن الاقتصاد مرتبط بالشريعة عقيدة وشريعة، وذلك بالنظر إلى أن الشريعة أباحة التملك، وأعطت الحرية المقيدة، وفرض الزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة، ودعت إلى فعل الخير وحرمت البيوع المشتملة على الربا والغرر والظلم والميسر وأكل أموال الناس بالباطل، ومنعت في كل عيب خاف ثمنه، أو من كل بيع لا يعرف عينه، ولا يعرف ثمنه ولا أجله، ونهت عن كل بيع مالا قدرت الإنسان على تثمينه، وبيع مالا يملك، حماية للمجتمع من أن يأكل بعضه بعضا، إن ما نسمعه الأيام من أمتنا اليوم من انهيارات اقتصادية، وما نسمع من هذه الأمور كلها نتيجة لإخلال الناس بأصول الشريعة، إن الله جل وعلا حرم الربا وأخبر أنه يمحق الربا: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا)، حكم شرعي، أمر شرعي أن الله ماحقا للربا، ومهلك للربا، إن بعض الناس لو قلت له إن التعامل بالربا حرام، وإنه ضد الاقتصاد لصاحوا عليك وامكروا، وهاهم اليوم يشاهدون هذه الأزمة الاقتصادية، وهذا الإفلاس في بعض الشركات والبنوك كل ذلك نتيجة لمخالفة شرع الله؛ فعلى المسلمون أن يعودا لشرع الله، وأن يقيموا اقتصادهم على دين الله، ليحفظوا لهم دينهم وأموالهم واقتصادهم، إن الأمة بحاجة إلى اقتصاد قوي، واستثمار ناجح بين دول المسلمين، ليكون لهم قوة اقتصادية يحسبوا لها الغير حسابها، لتبني اقتصادها على أصول شرعية ثابتة، قائمة على العدل والرحمة والإحسان.
أيها المسلمون، وهناك الأمن الفكري، فإن العقول لا تقل شأن عن النفوس والأموال، فكما أن للأموال وللنفوس نصوصا، فإن للعقول نصوص أعظم من ذلك، والإسلام حفظ أفكار المسلمين بأن حماهم عن الانحراف، سواء كان من التقصير والتطرف، أو سواء كان من التقصير والتفريط، أو الإفراط والغلو بأن أقام التوازن والوسطية العادلة التي جاء بها الإسلام: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، فبهذا يضمن المسلمون سلامة مجتمعهم، وتكاتفه على الخير والهدى، إن هناك أمن إعلاميا، أمن إعلاميا ذلك أن العالم يشهد في مثل هذا الزمن من هذه الثورات المذهلة بالوسائل والتقنية الحديثة، مما يحمل الأمة عبئا ثقيلا، والتزام أخلاقيا ودينا نحو التعامل معها، إنها وسائل مفتوحة لنشر الفكر والتأثير على المتلقي مما يتم التعامل بحد وحذر، إنها أيها الأخوة إرهاب الكرتوني كما يقولون، وأرض بالأفراد والمجتمعات تحت أسماء وهمية وأسماء مستعارة نشر الرذيلة والفساد وكل بلاء، مما يحتم الأمة توعية أبنائها التوعية الصحيحة، وتحذيرها من الانخداع بما يقال ويعرض، إني أدعوا رجال العلماء، والدعاة إلى الله، ومراكز البحوث، ومدرسي الجامعات، وأهل الفقه السليم، بأن يستغلوا تلك الوسائل فيما يدعو للحق ويدمغ الباطل ويرشد الأمة للطريق المستقيم.
أيها المسلمون، وإن هناك بالإسلام أمن بيئيا، فالاهتمام بسلامة البيئة ونظافتها، وحماية مكوناتها، وحماية المرافق العامة، ومصادر المياه من التلوث، فالإسلام حما ذلك ألا تراه منع البول في الماء الراكد، ألا تراه حرم قضاء الحاجة بالطرقات كل ذلك لحماية للمجتمع من تلوث البيئة، إن هناك ما يسمى بالنفايات النووية التي يستعملها أعداء الإسلام، إما بالبلاد الضعيفة أو في بعض الدول الإسلامية التي أعقمت البلاد، وشوهت الأجنة، وقتلت الحيوان في البر والبحر، مما يدلك على حرص الإسلام على المصالح العامة، وحماية المجتمعات من كل ما يؤذيها، إن هناك أمن صحيا، فالإسلام دعا إلى سلامة صحة البدن وسلامته، ومنع من أسباب الوقوع في الأمراض قبلها، فنهى عن الاختلاط في الأمراض المعدية: " فر من المجذوم فرارك من الأسد"، " ولا يريد مصح على ممرض"، ونهى عن الدخول في الأماكن الموبوءة كل ذلك حماية للصحة، وحث على العلاج بعد وقوع الأمراض، وما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء.
أمة الإسلام، إن الأمن مسؤولية لكل الخلق جميعا لا يختص به إنسان دون آخر، إن المجتمع مطلوب بحماية طرق المسلمين، وممرات تجارتهم وبضاعتهم من قرصنة في البحار والجو، ومن المفسدين في الأرض، إن من المعالم أن يجرم هذا الإرهاب، ويعلن براءته منه، ومن براءته بكل من يؤوي المجرمين، وعصابات الإجرام تحت أي اسم كانوا، إنهم اللصوص المدمر للأمة، إن الإسلام حمى مجتمع الأمة، إن الإسلام حمى المجتمع، وأرسل العقوبة على المفسدين: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ)، أسلم المغيرة بن شعبة بعدما أخذ مالا من بعض المشركين أتى النبي مسلما ، فقال له النبي: " أما الإسلام فنقبله، وأما المال فلا"، ذلك ليبين أن الإسلام لا يؤوي للإرهاب، ولا يؤوي للإفساد، ولا يؤوي المتعدي حدود الله، وإنما يقبل الإسلام؛ لكن لا يقبل الظلم ممن جاء به، ولا يرضى بالظلم لأي أحد، فلنكن على حذر من هذا الإرهاب مهما كان نوعه، ولنحارب عصابة الإجرام، ولتكن العالم كله ضد هذه العصابات المجرمة الظالمة المعتدية التي دمرت البلاد والعباد ونشرت الفساد، نسأل الله السلامة والعافية من كل بلاء.
أمة الإسلام، إن الإسلام مبني على كمال الانقياد والاستسلام لله، وأنيبوا إلى ربكم واستغفروه، إن الانقياد حقيقة تعظيم أوامر الله بامتثالها، وتعظيم نواه الله باجتنابها، وتعظيم حدود الله، وتعظيم نواه الله، تعظيم أوامر الله وتعظيم نواهيه، والوقوف عند حدوده، وإتباع سنة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
أيها المسلمون، إن تعظيم النصوص الشرعية ألا يقدم أحد على كتاب الله رأيا أو فكرا أو ذوقا أو وجدانا، ويعتقد أن محمد بعث بحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم، إن من أعظم الضلال إهمال النصوص الشرعية أو إخضاعها للعقل القاصر في فهمها وتقديم آراء الناس عليها.
أيها المسلمون، لقد استطاع الغزو الفكري أن يكون فئة من أبناء المسلمون يتكلمون بألسنتنا، يستحيون من انتساب الإسلام، ويشمئزون من ذلك، بل قد يعينون أعداء الإسلام فيصف حجاب المرأة بالتخلف والرجعية، ويصف حدود الشرع بالوحشية والتشدد، ويدعون إلى قراءة جديدة للنصوص، يفهمونها كما يشاءون على خلاف ما فهمها سلف الأمة من الصحابة والتابعين، أفلا يتدبرون قول الله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ).
أيها المسلمون، إن دين الإسلام جمع بين عنصرين: الثبات والمرونة، وذلك آية في واقع إعجازه وآيات خلوده وكماله، فإن هناك ثوابت بالشريعة، لا يؤتى بالأدلة شرعية قطعية صريحة لا تقبل الزيادة، ولا النقصان، ولا التطور ولا التجديد في الدين، كأصول العقائد والعبادات وأمهات الفضائل والمحرمات القطعية، وأن الإسلام كل لا يتجزأ عقيدة وعبادة شريعة ومعاملة وتشريعا وتوجيها.
أمة الإسلام، اشكروا الله على هذا الدين القويم الذي هدى الأمة، والدين الذي هو أفضل الأديان، دين كامل في مبادئه وفي عقيدته وفي أخلاقه ومعاملاته، فكماله في باب المعتقد حرر العقول من الضلالات، والتعلق بالخرافات، وحذر من البدع والمعاصي دين كامل في أوامره، فشرع الشرائع، وفرض الفرائض، ودعا إلى فعل الخير، دين كامل رتب الأسرة من حيث الطلاق والرضاع، وأوجب على الزوجة طاعة زوجها، وعلى الزوج القيام بحقه، وأن يكون الحياة الزوجية حياة سعيدة، فيها التعاون والمحبة على الخير والهدى، ورتب العلاقات المالية، والمعاملات التجارية، أباح البيع والتجارة، وحرم الغش والتدليس والقمار، وكل ما يؤدي إلى الجهالة أباح المطيبات، وشرع الحدود الشرعية، إقامة للحق، وحفظ للأمن، وحماية للمجتمع من الرذالة، وشرع القضاء بالعدل وحث عليه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
أيها المسلمون، دين الإسلام دينكم دين الإسلام، دين رحمة وإحسان، دين عدل وسلام حفظ الحقوق كلها، دين عدل وسلام حفظ الحقوق كلها، دين عدل وسلام حفظ الحقوق كلها بجميع أنواعها، ومنها حقوق الإنسان، هذا الإنسان الذي كرمه الله، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، هذا دين الإسلام الذي أكرم الإنسان وشرفه من حيث أنه خلقه في أحسن تقويم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، جعل منهم الأنبياء والرسل والقادة والمصلحين، حضر الإنسان من الجاهلية إنه جاء بإسعاد الإنسان لينال الجنة ورضوان الله، إنه جاء بإنقاذ ييسر به عن الوقوع بالرذائل، إنه حمى الإنسان حقا من خلال المحافظة عليه من حيث النفس والعقل والبدن والغريزة، إنه يحفظ للإنسان حقوقه خلافا للمذاهب الباطلة التي ضيعت حقوقه، وجارت على الإنسان باسم الإنسان، إنه قرر حقه بالحياة، وحرم الاعتداء عليه بسائر من أنواع العدوان، إن الله حرم عليكم دمائكم وأموالكم وأعراضكم، إنه حفظ حقوق الفقراء عند الأغنياء، تؤخذ من أغنياءهم وترد على فقرائهم، إنه أوجب على المالك أداء أجور العمال، أدي العامل أجره قبل أن يجف عرقه، أمر بحق الزوجين: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف)، وبر والوالدين وصلة الرحم وإكرام الجار: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، حفظ حقوق غير المسلم بين المسلمين، فأوجب الإحسان إلى المعاهدين والمستأمنين، وحرم الظلم عليهم: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)، وحتى الحيوان: " دخلت امرأة النار في هرة، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشائش الأرض"، وبغي من بني اسرائيل شكر الله لها لسقيها كلبا، هذه عقيدتكم فأعزوا بها هذا دينكم، شرفكم الله فكونوا به أعزاء: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
أيها المسلمون، يقول الله جل وعلا: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، فالمؤمن ولي لأخيه المؤمن يهمه ما يهمه ويحزنه ما يحزنه؛ لأنهم كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضا، إن المسلم لا يعيش لنفسه فقط أمانيا، ولكن يعيش لنفسه ولأمته ليحقق قول النبي: (مثل المؤمن في توادهم وتراحمهم وتعاونهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، إن الموفقين من عباد الله من جعلهم الله سببا لقضاء حوائج المسلمين، ويسعى به أولئك الذين اختارهم الله وفضلهم، إن الأمة ضعف شأنها لما انقطعت أواصر المحبة، وحبال المودة بينهم وظهر الأنانية وحب الذات كل ذلك بأسباب تخلفهم.
يا قادة العالم الإسلامي، يا من ولاهم الله أمر شعوبهم، إن مسؤوليتكم عظيمة أنتم سلطان الله في الأرض؛ لإقامة شرعه وتنفيذ حدوده: " إن الله لينزع بالسلطان مالا ينزع بالقرآن"، أقيموا شرع الله تحت أيديكم لتعيشوا أنتم وهم أمنا وسلاما وراحة واطمئنانا، كونوا رحمة لرعاياكم والإحسان إليهم، سيروا بهم في طريق الإيمان والإحسان، وجنبوهم طريق الرذيلة والشر، وحفظوا وحدتهم، وحذروهم مكائد الأعداء.
أيها الآباء والأمهات، أحفظوا وصية الله في أولادكم ما ائتمنكم عليه يقول: -صلى الله عليه وسلم- : (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول)، وإن الله سائل كل راع ما استرعاه حتى يسأله عن أهل بيته أيها الآباء الكرام، واعتنوا بتربية أولادكم، وكونوا قدوة حسنة لهم، أنشئوا بهم العقيدة الصحيحة، واغرسوا فيهم الإيمان، وحذروهم المعاصي، وأمروهم بالصلاة والزكاة وأخلاق الإسلام.
أيها العلماء الكرام، مسؤولية نحو حمل العلم عظيمة، مسؤوليتكم عظيمة، خذوا بيد النشء بما فيه الخير والصلاح، خذوا بأيديهم بما يسعدهم بدينهم ودنياهم، بينوا محاسن الإسلام، حذروا المجتمع المسلم من الأخلاق الرذيلة، والدعوات المغرضة الفاسدة، حذروهم من مكائد الأعداء.
أيها الشباب المسلم، خذوا العلم من معدنه الصافي، ومناهجه المعتمدة، وألزم علماء الشرع، علماء البصيرة والهدى، احذروا الآراء الأفكار المنحرفة، والمناهج المشبوهة، والشعارات البراقة، وإن أظهر أهلها الخير والصلاح، حافظوا على دينكم ثم على أوطانكم، وصونوا أنفسكم مما يعين ويصدكم عن الخير.
أيتها الفتاة المسلمة، اتقي الله في نفسك وألزمي دينك والحقوق الزوجية، وابتعدي عن الاختلاط والسلوك والتبرج وثقي بهذا الدين، واعلمي أن الله أعزك به فلا تبتغي غير الإسلام دينا، احذري تقليد الأعداء، وطاعة أهل الأهواء، الذين يظهرون تحرير المرأة وهم يسعون في إذلالها وإبعادها عن كل خير.
أيها المربون، أمامكم أبنائنا فلذة أكبادنا أبنائنا وبناتنا، ربوهم على الخير علموهم ما ينفعهم بدينهم ودنياهم، ربوهم على الأخلاق السليمة، وبينوا لهم المناهج الطيبة التي تصلهم بدينهم ونبيهم وربهم، والتي ترسخ فيهم الإيمان الصحيح والوسطية والاعتدال.
أيها رجال الأعمال، إن طلب الرزق محمود شرعا، محمود طبعا، ومأذون به شرعا، إذا ضبط بضوابط شرعية، فنعم المال الصالح للرجل الصالح، فأخلصوا لله العمل، واحذروا الغش والتدليس والتجارات المحرمة من الخمور والمخدرات، وما وأماكن العري والقنوات الهابطة، وطهروا أموالكم من كل المكاسب الخبيثة كالمخدرات ترويجا وبيع، فإنها تدمر الأخلاق، وتفسد كيان الأمة، وداء وبلاء، فاحذروا مكاسبها، وإن عظمت إن ما نسمع من غسيل الأموال نتيجة لهذه المخدرات، والتعاون ببعض ضعفاء البصائر معهم حتى يصبغوا الصبغة الشرعية، فالحذر، الحذر من ذلك؟!
رجال الإعلام، بيدكم أمر عظيم بيدكم سلاح عظيم، فاتقوا الله بأنفسكم، احرصوا على أمانة الكلمة أدوا الحقيقة، احذروا التهويل والإثارة؟! احذروا قنواتكم قنوات دعوة منبر خير وتوجيه؟! احذروا الانسياق أمام الحملات المغرضة التي تهاجم الإسلام وأخلاقه وفضائله؟! احذروا كونوا دفاعا للأمة يقيها كل الحملات الشريرة؟! لا تكون سلاحا ضد الأمة بينما يأمل منكم أن تكون سلاحا يدافع عن الأمة؟! احذروا نشر المشاهد الخبيثة التي تكدر عقيدة المسلم، وتكدر نقاء فطرته، وتوجب الإنصاف الخلقي.
أيها المسلمون، أيها المسلمون، أيها الدعاة أيها الدعاة، وأرباب الطرق، إن الله جل وعلا أكمل لمحمد -صلى الله عليه وسلم- الدين وأتم به النعمة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)، فقام -صلى الله عليه وسلم- قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد أكمل الله به الدين، دعا إلى الله وسعى في إصلاح الخلق ولم يقصر في باب واجبه، بل قام به خير قيام إن علاقة المسلمين بعلمائهم علاقة الإقتداء والتأسي ليس علاقة ذاتية، فهم لا يعظمون علمائهم تعظيما يعطيهم مدى التشريع والتحريم والتحليل، ولا أن يرفعوا فوق مستواهم، ولا فوق مستوى البشر، كما قال النبي لعدي بن حاتم لما قرأ عليه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه)، قال: سنعبدهم قال: " أليس يحللون ما حرم الله، فتحللونه، ويحرمون ما أحل الله، فتحرمونه" قال: بلى، قال: "فتلك عبادتهم".
أيها صانعي القرار في العالم الإسلامي، لتكن قراراتكم، لتكن معبرة عن آمال أمتكم وهمومها وسببا لازدهار حياتها وارتباطها بعقيدتها، احرصوا على وحدة الأمة، وجنبوها كل بلاء وشر، واحرصوا على موارد الأمة تنمية وإصلاحا وعدم صرفه فيما لا ينفع.
يا قادة العالم، إن البشرية لن ينجيها من شقائها، ولن يحقق لها أمنها وحضارتها إلا العودة إلى الدين الذي اختاره الله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه)، تعالوا لنحافظ على الضرورات الخمس التي جاءت به الشرائع السماوية: الدين والمال والعرض والنفس والعقل، تعالوا لنحق الحقوق ونمنع الظلم ونهتم بمكارم الأخلاق، ونحمي الأسر من التفكك والضياع، إن العالم بالأمن في ظل ازدواج المعايير، وتذييل الشعوب والحكومات واستحلال البلاد، إن المحافظة على الأمن لا يكون بالاستبداد والتلويح بأسلحة الدمار، واستحلال البلاد وإصدار القرارات الجائرة، إن قضية الحصار والخناق والإذلال والحرمان لا يؤدي نتيجة ولا يرفع الظلم، بل يزيد الأمر بشدة، ويزيد البلاء بلاء، يا حكام العالم، إن الله جل وعلا قال بحكمته أن الظلم سبب لسقوط الحضارات ودمار الأمم، يقول -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، إن العالم اليوم يشكوا من الظلم ونذر الحروب ونقص الموارد، فهيا بنا لنحمي المجتمعات من هذه الأخطار، ولتتوجه الأمة لحماية المجتمعات وسلامتها من كل هذه الأغراض المفسدة.
يا إخواني في فلسطين، أوصيكم بتقوى الله، أوصيكم بتقوى الله، أوصيكم باجتماع الكلمة، أوصيكم بالنظر في واقعكم، ارحموا النساء الرمل، ارحموا الأيتام والمسنين، ارحموا بلادكم وشعوبكم، عودوا إلى رشدكم يا معشر المسلمين، اتحدوا فيما بينكم، احذروا مكائد الأعداء ما تكن قضيتكم تجارة لبعضكم بعض، كونوا يد واحدة لتحققوا مصالحه، كفى بنا ما حصل من قتل وتشريد وبلاء، نسأل الله لكم السلامة والعافية.
يا أخواني في الصومال الإسلامي، ما هذا التمزق والاختلاف؟ ألا رجل رشيد ما هذا التمزق والاختلاف؟ دمرتم بلادكم ومزقتم شملكم، فاتقوا الله في أنفسكم.
يا أخواني في باكستان وأفغانستان وغيرهم من دول الإسلام، ليحرص المسلمون على حماية دينهم وأوطانهم واجتماع الكلمة ومنع كل ضرر يلحق بالأمة الأذى، سدد الله الخطى وحفظ الجميع من كل سوء.
حجاج بيت الله الحرام، إن الوصول إلى هذه البلاد المقدسة كان صعب المنال والحج كان من أشق العبادات حتى هيأ الله بفضله وكرمه في هذه الأزمنة المتأخرة الملك عبدالعزيز المؤسس لهذه الدولة، هيأه الله فوفقه الله، فوحد البلاد من تمزقها، وجمع الله به القلوب بعد تفرقها، وأمن بها البلاد بعد خوفها، فأقام الشريعة والعدل، وحافظ على الحقوق وسعى في راحة الحجاج في مهمتهم، ثم قام أبناءه بعده البررة: سعود وفيصل وخالد وفهد خادم الحرمين، وخادم الحرمين موجود وفقه الله وأعانه في سبيل راحة الحجاج وخدمتهم، بذلوا الغالي والنفيس في التسهيل والتيسير عليهم من توسعة الحرمين والمشاعر، وهي طرق وأنفاق أقيمت، طرقا مهدت، مياه عذبة سهلت، خدمات صحية راقية، أجواء آمنة مطمئنة يبتغون بذلك وجه الله، جعل الله ذلك في ميزان أعمالهم، ووفق كل القائمين في راحة الحجاج خير إنه على كل شيء قدير.
حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله أن وصلتم إلى هذه المشاعر في أمن وطمأنينة، احرصوا على إقامة نسك حجكم على هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-.
أيها الحجاج، التزموا الأنظمة التي وضعت من الجهات المختصة للحفاظ على كيان الأمة، احرصوا على سلامة إخوانكم، ونظافة المشاعر، إن الله ابتغى الحج على أمة الإسلام في العمر مرة من أداه فقد برئة ذمته.
حجاج بيت الله الحرام، إن نبيكم حج حجة واحدة سماها العلماء حجة الوداع، جاء بيوم عرفة فنزل بنمرة ثم خطب في هذا الوادي خطبته العظيمة المشهورة التي هدم فيها قواعد الشرك، وأعلن بها قواعد الدين، وأوصى الأمة بكتاب الله والاعتصام به، وقف -صلى الله عليه- بعرفة، صلى بعرنة الظهر والعصر جمعا وقصرا، ثم أتى موقف عرفة، فوقف به راكبا مستقبلا القبلة، رافعا يديه حتى غابت الشمس يدعو ربه ويتضرع بين يديه، وقال لهم: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف "، فأتاه أناس في الحج فقال: "الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه "، وهو -صلى الله عليه وسلم- وقف يدعوا حتى غربت الشمس، وفي هذا اليوم أنزل الله عليه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)، شكى الصحابة وهو مفطر؛ لأنهم يعلمون أنه كان يصوم يوم عرفة في المدينة، فبعث قدحا من لبن فشربه، والناس ينظرون وقف حتى غربت الشمس واستحكم غروبها ثم دفع إلى مزدلفة وصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا وبات بها، ورخص للضعفة بالدفع من مزدلفة بعد نصف الليل، تقف بعرفة إلى الغروب، وقفوا بمزدلفة معظم الليل، وإن صليتم بها الفجر فهو أولى، انصرفوا بعد مزدلفة ترموا جمرة العقبة، ثم احلقوا رؤوسكم، ثم طوفوا بالبيت طواف الحج، واسعوا إن كنتم متمتعين أو قارنين ومفردا من قبل، ثم بيتوا بمنى وارموا الجمار في اليوم الحادي عشر والثاني عشر إن تعجلتم بعد الزوال، وفي اليوم الثالث عشر كذلك، ثم ودعوا البيت، وقد تم حجكم تقبل الله سعيكم.
حجاج بيت الله الحرام، هذا يوم عرفة يوم من أفضل أيام الله يقول فيه -صلى الله عليه وسلم-: " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله به عبيدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنوا فيباهي به الملائكة، ينزل الله بعشيته إلى سمائه الدنيا، فيباهي به أهل السماء، انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا أشهدكم أني قد غفرت لهم" ، والشيطان هو في مكان في يوم هو أحقر ولا أغيض ولا أدحر مما رؤى في يوم عرفة.
أيها الحاج الكريم، إن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة هذا الحج الذي يتغير على صاحبه، فيكون بعد الحج خيرا منه بعد الحج، ويزيد من الأعمال الصالحة، ويبتعد عن الأعمال السيئة حقق صحيفة أعمالك، ولتكن بيضاء نقية بطاعة ربك، واحذر أن تزل قدما بعد ثبوتها، حافظ على الصلوات الخمس، ابتعد عن المحرمات وظلم العباد، وكن بعد الحج خيرا منك قبل الحج، أكثروا في يوم الله في هذا اليوم المبارك، وأكثروا من الاستغفار -رحمكم الله-: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ *ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
أيها المسلمون، تذكروا بين هذا الجمع موقفنا بين يدي الله في ذلك اليوم العظيم، يوم نقوم من قبورنا شاخصة أبصارنا، عارية أجسادنا، حافية أقدامنا، في ذلك اليوم العظيم الذي يجمع الله به الأولين والآخرين في يوم مقداره خمسين ألف سنة، تدنوا الشمس من العباد، ويكون في العرق على قدر أعمالهم، تذكروا ذلك اليوم التي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، تذكروا يوم تفرق الكتب فآخذ كتابه بيمينه يقول:(هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ *إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ *فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ *فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ)، وآخذ كتابه بشماله يقول: (فَيقول يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ *وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ)، تذكروا إخواني يوم ميزان الأعمال: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)، تذكروا صراط الموت موضوع على جهنم يسلكه الناس على قدر أعمالهم، فأشد الناس عبور له من كان في الدنيا أكثر من طاعة الله وهكذا النقص على حسب التقصير في طاعة الله، تذكروا أيها المسلمون يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا، إن هذا النداء العظيم، تذكروا هذا الفضل العظيم، تذكروا يوم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، تذكر أخي وأنت نقلت من هذه الحياة، يوم يأتي ملك الموت بقبض روحك حولك أبناؤك وذووك، لن يدفعوا عنك سوء، ولن يؤاخذوك يوما تذكروا المسلم في تلك الحالة في سرور وفرح وسرور: (إِنَّ الَّذِينَ قالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، يمثل له مقعد من الجنة وهو على فراشه، فيشتاق إلى لقاء الله، ويحب الله لقاءه، ويحب لقاء ربه، فيحب الله لقاءه، وغير المؤمن بحسرة وندامة، تذكر أخي أول ليلة توضع بقبرك وحيدا، تذكر وضعك بقبرك وحيدا، مرتهن بأعمالك التي قدمتها، تذكر يا أخي كل هذه الأهوال عسى أن تكون بصلاح قلوبنا وأعمالنا.
اللهم إنا نسألك بفضلك وكرمك أن تمن علينا بالقبول، اللهم اجعل حجنا مقبولا وسعينا مشكورا وذنبنا مغفورا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينق الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أولاة أمرنا، اللهم وفق إمامنا إمام المسلمين عبدالله بن عبدالعزيز لكل خير اللهم أمده بعونك وتوفيقك وتأييدك اللهم كن له معينا في كل ما همه، اللهم وفق لوحدة المسلمين وجمع كلمتهم، اللهم بارك له في عمره وعمله إنك على كل شيء قدير، اللهم وفق ولي عهده لما يرضيك وسدده في أقواله وأعماله والشكر موصول لكل من سعى في أمن هذا الحجيج وعلى رأسهم وزير الداخلية وفقه الله وأمير مكة وفقه الله وكل العاملين في سبيل راحة الحجاج، نسأل الله لهم التوفيق والسداد وأن يجعلها في ميزان أعمالهم الصالحة: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، أعاده الله علي وعليكم وعلى المسلمين جميعا باليمن والخير والبركة، وتقبل أعمالنا، وأصلح ذرياتنا، وحفظنا بحفظه بكل أحوالنا إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد.

